بقلم: فيصل التويجري
هي مجازر شبه يومية تشهدها مختلف المدن والقرى اليمنية التي تعيش حياة مأساوية تتشابه فيها القصص التي تجسد واقعها وسط حالة الحرب الراهنة التي يحرق لهيبها بطريقة مباشرة كل ما هو حي من إنسان وحيوان ونبات في أرض باتت منسية، ومع كل ذلك فللسعودية واميرها المتعطش لكرسي العرش عشاق من أبناء اليمن (ومن الحب ما قتل). وفي سلسلة المجازر البشعة التي ترتكبها طائرات السعودية بحق المدنيين الأبرياء، وبعد مجزرة صعدة وحافلة الأطفال التي ذهب ضحيتها أكثر من 60 طفل وجرح أكثر من 100 آخرين، ها هي اليوم تعود طائرات "الحب والأمل" التي أرسلها الينا بن سلمان ترتكب مجزرة جديدة وفي نفس المدينة باستهدافها لمنزل أحد المواطنين ليستشهد طفلاه اللتان ضاعت جثتهما بين الأنقاض.
واثر هذا الهجوم انتشرت صورة أب الطفلين على وسائل التواصل بعد أن استخرج جثتيهما من تحت الأنقاض، صورة لاقت صدى واسعاً في معظم وسائل الإعلام وتصدرت مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بدا الأب مصدوماً متبلد الحواس شاخصاً ببصره في الأفق البعيد، وكأنه يعاتب الطيران لماذا أبقاه حيّاً ليعيش تفاصيل هذه اللحظات، ولماذا لم يأخذ أرواح كل الأسرة كما جرت عادة قصفه واستهدافه المتواصل، مشهد يختزل مظلومية اليمن في أبلغ تفاصيله على بعد ميل من البراءة المغلفة بالموت، حيث سقط نيزك من الحزن ليمسح دمعة أب بلدته الصدمة، ثم تابع صعوده إلى السماء ومعه روحا الطفلين، تاركاً خلفه روح الأب تراوح بين الحياة وضدها.
خلال اليومين الماضيين كثفت طائرات العدوان السعودي غاراتها على مديرية الظاهر غرب مدينة صعدة، مما دفع الأهالي والمدنيين الى الفرار من القصف الذي استهدف بيوتهم ودفعهم بالنزوح منها باتجاه مناطق أخرى من المدينة هرباً من الموت الذي رأى فيه تحالف العدوان الكأس المناسب لسقاية اليمنيين الصامدين والثابتين رغم كل غطرسته الإجرامية وأهدافه المبيّتة لإبادة جماعية على مرأى ومسمع من العالم الحقير الذي أثقلت لسانه حزم المال المكدسة الممنوحة بسخاء.
وكان "حسن" واحداً من الفارين من آتون الحرب والقصف العشوائي الذي استهدف قريته في مديرية الظاهر، غادر مع طفليه "نبيل" ذي الثلاث سنوات وشقيقته "صمود" الرضيعة ذي الأشهر 6 قاصداً منطقة مران في مديرية حيدان في مدينة صعدة، حيث أقام في أحد المنازل هناك متعشماً الأمان وحالماً بالسكينة والطمأنينة المؤقتة ليقينه بأن هذا العدوان لا يملك أخلاقاً ولا قيماً تظهره في قناع الإنسانية، ولإدراكه أن المدنيين باتوا هدفاً مشروعاً في قاموس التحالف المثقل بمفردات الموت والحصار وتشكيلات الدمار والخراب، لكنه مع ذلك سلّم مصيره للقدر، ولم يجد فرقاً بينه وبين أولئك الذين صمدوا في وجه الهلاك حتى لقوا مصيرهم شامخين عزيزي النفس رافعي الهامات التي لا تعرف للاستكانة منفذاً.
صورة أبكت الجميع، حتى أنها أبكت صاحب كل قلب متحجر، لكنها لم تحرك ساكناً عند ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يمضي في عدوانه واعطائه الأوامر المباشرة لطائراته باستهداف المؤسسات المدنية والحيوية، ومخازن الغذاء كمخزن الغذاء العالمي في مدينة الحديدة الأسبوع الماضي في مؤشر لتنفيذ خطة ممنهجة بجعل المخازن والصوامع والأحياء المكتظة بالسكان أهدافاً مشروعة لعملياتها الإرهابية، وهو ما علّله زعيم قبلي بالقول بأن التسامح الدولي مع إرهاب هذا العدوان هو ما شجعه على ارتكاب الجرائم بتعمّد وتخطيط كما هو حاصل الآن.
وبالرغم من وجود المبعوث الأممي، "مارتن غريفيث"، في اليمن لبحث مساعي السلام إلا أن طائرات العدوان لم تلقِ بالاً لوجوده، حيث استمرت شلالات الدم وقام طيرانها باستهداف إذاعة الحديدة مخلفاً شهداء وجرحى في محاولة منه لإسكات الحقيقة التي كشفته في معركة الوعي وصهرت طبخاته الإعلامية المضللة.
ختاماً ان المجتمع الدولي اليوم وبالأخص أمريكا وكل الدول التي تقدم الدعم للنظام السلماني بالسلاح في حربه على اليمن أو تسكت عن جرائمه ضد المدنيين الأبرياء، مسؤولة بشكل مباشر عن المجازر التي يرتكبها المحمدين (بن سلمان وبن زايد) في اليمن. وبكل أسف وحرقة... سيذكر التاريخ يومًا ما أن هناك أطفالا كُثرًا قُتلوا أو تنتظرهم الكوليرا لتفعل ذلك... بسبب طفلين آخرين كانا يهوى لعبتهما التي افتعلاها لحرصهما المتهور على امتلاكها كثيرا من الأخطاء التي ستؤول مستقبلا إلى جعل الكبار ينكثون بوعدهم لهما... لأن اللعبة ما زالت كبيرةً عليهما، فمتى يعيان ذلك؟