لطالما كانت الدول الخليجية بحاجة ماسة للجنود الأجانب "المرتزقة" عبر التاريخ لتدعيم جيوشها بالدرجة الأولى والحفاظ على كرسي العرش لحكام الخليج وقمع أي محاولة انقلاب ممكن أن تحصل داخل الدولة، على اعتبار ان هذه الدول باستثناء السعودية لا تملك عدد كافي من الجنود لحماية أمنها الوطني والتحديات الخارجية التي تتعرض لها، ناهيك عن رفض غالبية أبناء هذه الدول الخضوع للتجنيد في القوات المسلحة، وحتى السعودية التي تملك أكبر عدد من الجنود استقدمت في السنوات الأخيرة "مرتزقة" من عدة دول وزجت بهم في حرب اليمن، لأسباب تتعلق بالمال والاعلام وغضب الشعب من مغامرات مسؤوليه، وعلى الرغم من أن الخليج يعج بالتغيير –مثلاً من خلال تجنيد الذكور حول العالم والسياسات الخارجية الناشطة إلى تضاؤل عائدات النفط وميزانيات الدفاع المتضخمة – تقتضي الحقائق الديموغرافية والسياسية الأساسية إستمرار بقاء الجنود الأجانب المتعاقدين في الخليج.
المملكة السعودية
نظرًا لعدد السُكان الكبير في المملكة العربية السعودية، فإنها تستضيف نسبة أصغر نسبيًا من الجنود المتعاقدين في قواتها بالمقارنة بغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من أنها عيّنت كثيرين لخوض حربها في اليمن. ويؤكد أحد الخبراء أن القوات البرية السعودية في اليمن تتكون بكاملها تقريبًا من جنود متعاقدين بمن فيهم يمنيون تم تعيينهم محليًا. لطالما خدم كثيرون من الباكستانيين في المملكة. ففي أواخر الثمانينيات مثلاً، خدم عشرات الآلاف في مجموعة كاملة من الأدوار العسكرية، من الوظائف الوضيعة إلى تقديم التدريب والمساعدة التقنية. ومن المعروف أن مهامهم في المملكة قد عرّضت الجنود الباكستانيين للتعاليم الدينية المتشددة (الوهابية في الغالب). وبالإضافة إلى الجنود المتعاقدين من إفريقيا وآسيا، تستضيف المملكة العربية السعودية آلاف الجنود الامريكيين و300 عنصر ومقاول عسكري بريطاني.
الامارات
الإمارات العربية المتحدة تشبه دول الخليج الغنية الأخرى في ما يتعلق بالعدد الكبير من الجنود الأجانب المتعاقدين. وينحدر ما لا يقل عن 70 في المئة من الرجال المجندين في الإمارات من عُمان واليمن. وفي الآونة الأخيرة، أبدت الإمارات العربية المتحدة حماسة للجنود الكولومبيين الذين يتمتعون بعقود من الخبرة في قتال حرب العصابات. وقد أبرم مئات منهم عقودًا في الإمارات العربية المتحدة، لأن رواتبهم أعلى عدة مرات من دخلهم في وطنهم. وقداستعانت الإمارات العربية المتحدة بشركات أمريكية مثل شركة Reflex Responses (التي أسسها ويديرها إريك برنس الذي ينتمي إلى شركة Blackwater سيئة السمعة). حصلت الشركة على عقد بقيمة 529 مليون دولار لتعزيز الجيش الإماراتي تضم القوات المحاربة لصالح الإمارات العربية في اليمن جنودًا متعاقدين من تشاد وتشيلي وكولومبيا وليبيا وبنما والنيجر والصومال والسلفادور والسودان وأوغندا، من بين جنسيات أخرى.
أهداف استقدام المرتزقة
يتزامن توظيف جنود متعاقدين من غير المواطنين مع الديناميكيات السياسية في الخليج. فدول مجلس التعاون الخليجي الست ملكيات أوتوقراطية لا يتمتع فيها المواطنون، باستثناء الكويت بصفة جزئية، سوى بحقوق سياسية ضئيلة وليست لديهم أية رقابة بالشؤون العسكرية. وهكذا، تستفيد دول الخليج سياسيًا من استخدام جنود أجانب متعاقدين، لأنه ليست لديهم مصالح سياسية عمومًا يمكنهم بها ملاحقة أهدافهم ونادرًا ما يشاركون في محاولات للإطاحة بالنظام. بالإضافة إلى ذلك، ونظرًا إلى عدم وجود روابط اجتماعية لهم مع السكان الأصليين، يمكن للدولة نشرهم بثقة ضد المواطنين في حالات الطوارئ المحلية. كما يمكن طرد الجنود الأجانب المتعاقدين بسهولة من دون أية تبعات سياسية. علاوة على ذلك، في ما تكلفة الإبقاء على الجنود المواطنين مرتفعة، خصوصًا في الدول الغنية، فإن تكلفة الجنود المتعاقدين رخيصة نسبيًا ولا توجد إدانة اجتماعية إذا لقوا حتفهم في العمليات العسكرية المحلية أو الأجنبية.
بناءً على هذه الديناميكيات السياسية، يشغل الجنود المتعاقدون في الخليج مواقع التجنيد بأغلبية ساحقة، لكن معظمهم في المراتب الدنيا. توجد نسبة أصغر بكثير منهم من ضباط الصف، في عدد غير المواطنين في سلك الضباط النظامي، خارج التعيينات قصيرة الأجل، فهو ضئيل، ويرتبط وضع الضابط عمومًا بالجنسية. يخدم الجنود الأجانب المتعاقدون عمومًا في جميع فروع القوات المسلحة النظامية (البرية والبحرية والقوات الجوية)، لكن نسبتهم هي الأعلى في القوات البرية. فالجيش هو الجهاز الأكبر في جميع المنشآت العسكرية بدول مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، فإن قطاعات معينة في الجهاز الإلزامي لبعض دول الخليج، مثل الحرس الوطني في الكويت والمملكة العربية السعودية، تقتصر على المواطنين. أحيانًا تحدث مشكلات في اللغة مع المتحدثين غير العرب من شبه القارة الهندية، خصوصًا إذا كانوا يفتقرون إلى معرفة أولية باللغة الإنكليزية. فالإنكليزية غالبًا ما تكون اللغة الرئيسة لتدريب الضباط خصوصًا إذا كان التدريب تحت قيادة مدربين من المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة.
أما الغالبية العظمى من الجنود المتعاقدين الذين يخدمون في الخليج فهم من المسلمين السُنة من العالم العربي وجنوب آسيا. تميل جيوش دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاحتفاظ بالعسكريين الأردنيين في أعلى المستويات نظرًا لتدريبهم الصارم وكفاءتهم وانضباطهم. يحضر أيضًا العديد من المغاربة واليمنيين، وتوجد خصوصًا منذ سنة 2011 مجموعة متنامية من السوريين يشغل معظمهم المناصب العادية في التجنيد. أما الجنود المدربون تدريبًا عاليًا، وغالبًا ما يكونون من الأردنيين، فهم ضباط صف. في المعتاد لا يمكن سوى للمواطنين أن يصبحوا ضباطًا في الخليج على الرغم من وجود بعض الاستثناءات: في حالات نادرة بعد فترة طويلة (10-15 سنة) يمكن للجنود المتميزين بنظام عقود الخدمة أن يصبحوا مواطنين. فالبحرين، على وجه الخصوص، منحت الجنسية لتعزيز نسبة السُّنة من المواطنين.