يبدو أن المصائب التي حلت بالسعودية بسبب سياسة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم تعد كافية له، اذ أنه يبحث عن ورطة جديدة للمملكة خارج الديار بعد فشله في اليمن وسوريا وقطر وغيرها من الدول تتجه أنظاره اليوم نحو ليبيا، التي يحتدم فيها اليوم صراع اقليمي متشعب جداً بين قوى اقليمية ودولية مختلفة يريد كل منها الحصول على حصة "الأسد" من ليبيا وفي نفس الوقت تحقيق مصالحهم واستراتيجياتهم وايديولوجياتهم هناك.
هناك اخبار تناقلتها وسائل الاعلام تفيد بأن 3000 مقاتل سوداني تم ارسالهم إلى ليبيا للقتال هناك إلى جانب قوات حفتر المدعومة من الامارات العربية المتحدة ومصر وكذلك روسيا في وجه حكومة الوفاق الليبية المدعومة من تركيا وقطر، ويكفي ان نذكر اسم تركيا لنعلم جميعنا ماذا تريد السعودية من ليبيا.
المرتزقة السودانيين التي ذهبوا إلى ليبيا برعاية سعودية كما يشاع ستؤدي نفس الدور الذي لعبته في اليمن لصالح آل سعود، ومع ان نتائج هذه القوات كانت مخيبة لآمال حكام السعودية في اليمن وسببت لهم ورطة هناك إلا أن السلطات السودانية التي تتعرض لضغط سعودي مستمر يبدو انها وافقت من جديد على عرض السعودية مقابل تقديم بعض الميزات والهدف كسر شوكة تركيا في ليبيا ومنعها من نشر ايديولوجيتها هناك او على الأقل كبح جماحها عن السيطرة على كامل ليبيا، ويبدو أن القلق السعودي بدأ بعد إعلان كل من تركيا وليبيا، في 27 نوفمبر الماضي، عن توقيع مذكرتي تفاهم، الأولى حول التعاون الأمني والعسكري، والثانية بشأن تحديد مناطق النفوذ البحرية، فُهِمَ الإعلان كونه خطوة حرّكت المياه الإقليمية والدولية الراكدة، بل أبعد من ذلك ثمّة من يذهب إلى فرضيّة تحوّل البلد الغني بالنفط إلى ما يُشبه النّسخة السورية للمغرب العربي في ظلّ مسلسل السلام المتعثر.
انشاء قاعدة عسكرية تركية في ليبيا أثار غيظ كل من الامارات ومصر والسعودية، وتدعم كل من أبو ظبي والقاهرة قوات حفتر بمعدات عسكرية متطورة وأجهزة تشويش وكذلك طائرات حربية حديثة سببت تفوق جوي لقوات حفتر على قوات السراج في المعارك الأخيرة، إلا أن دخول تركيا على الخط سيدفع نحو تأزيم الأوضاع أكثر على اعتبار ان تركيا تملك قدرات عسكرية متطورة ستضعها في خدمة حكومة الوفاق لا محالة، وهذا الامر دفع السعودية لتقديم خدمتها ايضا، ومن هنا يمكننا أن نتوقع نتائج الحروب المقبلة على الشعب الليبي ومستقبل البلاد.
الجارة مصر دخلت على خطّ الأزمة الليبية بكل ثقلها السياسي والديبلوماسي وحتى العسكري بعد اعتراف رئيسها عبد الفتاح السيسي بدعم قوات الجيش الوطني الليبي تحت قيادة خليفة حفتر _الذي أطلق ما أسماه "المعركة الحاسمة" للسيطرة على طرابلس_ مؤكدا أنّ بلده لن يرضى بإقامة دولة في ليبيا تحكمها من وصفهم بالمليشيات والجماعات المسلّحة والإرهابية والمتطرفة.
ويرى محلّلون أن تصريحات السيسي كانت منتظرة في ظل استقواء حكومة الوفاق بالدول الصديقة على غرار الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وإيطاليا والجزائر وبدرجة أولى الحليفة تركيا وهي التي فعّلت معها طلب الدعم الفني واللوجستي، في الوقت الذي أكملت فيه أنقرة دراسة إنشاء قاعدة عسكرية في العاصمة الليبية طرابلس وفق ما كشفت عنه تقارير صحافية تركية.
مخطط تركي وصفه خبراء عسكريّون بالإستباقي من شأنه مساعدة حكومة الوفاق وتزويدها بأنظمة الدّفاع الجوي، التي ستساعدها في صدّ الهجمات الجوية وآخرها الغارات على أهداف في مدينتي مصراتة وسرت.
لكن هناك من يعتقد أنّ الأمر لن يكون سهلا كما يعتقد البعض، فحفتر "امير الحرب" كما يُوصَفُ مايزال يحصل على الدعم العسكري والتقني اللاّمحدود من حلفائه الإقليميين والدوليين وفي مقدّمتهم روسيا الطّامحة لاستنساخ التجربة السّورية والأوكرانية في ليبيا عبر إرسال أكثر من 100 مقاتل مجموعة فاغنر -التي يرأسها يفغيني بريغوزين المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين- للتمركز في الخطوط الأمامية لدعم حفتر، وتقديم الخبرة له في مجال المدفعية والقتال البري.
التواجد السعودي في ليبيا سيكون له آثار سلبية جدا في المستقبل في حال فشلت القوات السودانية في مواجهة أعداء الرياض، وقد تتحول الأمور إلى كارثة للسياسة الخارجية السعودية التي فشلت في جميع حروبها السياسية والعسكرية الخارجية، لننتظر ونرى إلى اين يأخذ الامير المدلل البلاد.