بينما تتعالى الأصوات بين أهالي محافظة المهرة متذمرة من وجود القوات السعودية والمطالبة بانسحابها، تصر الرياض في المضي قدماً في استراتيجيتها المثيرة للجدل عبر جلب المزيد من التعزيزات العسكرية المهمة للمنطقة في خطوة عمقت السخط الشعبي ضدها. خطوة وان جاءت بعد قبول السلطات المحلية الا أنها دفعت مجدداً الى الواجهة السؤال عن حقيقة النية السعودية إزاء عامة اليمن وخاصة في مناطق قيل عن مصالح ومطامع المملكة فيها.
إذاً ما الذي تريده السعودية من اليمن ومن المهرة تحديداً، حيث يرتاب يمنيين كثر من أطماع الاستحواذ التي تتبدى من سلوك السعودية والتي تعتبر الداعم المفترض لما يسمى بالشرعية. فالتدخل السعودي الذي يمضي عامه السادس، كان تحت شعار مواجهة "الانقلاب الحوثي" الا أنه ليس للحوثيين وجود في المهرة! فلما تستمر السعودية في حشد قواتها هناك منذ سنوات.
أحدث تلك الممارسات دفع الرياض لتعزيزات عسكرية قادمة من محافظة حضرموت الى المهرة شملت جنوداً وعتاداً عسكريا ثقيلاً وفق افادة مصادر عسكرية محلية. الدافع الأبرز لتلك الحشود تم بعد موافقة السلطات المحلية بالمهرة. ومنذ عام 2017 ووفق مصادر يمنية، يتمركز بمحافظة المهرة 3000 جندي سعودي، ويقيمون قواعد عسكرية متفرقة ومنذ ذلك الحين لم ينقطع التعزيز لتلك القوات في بقاع لا علاقة لها لعمليات لما يعرف بتحالف الشرعية.
لم تتوقف احتجاجات أبناء المحافظة ضد من دأبوا على وصفها بالاحتلال، في إشارة لتواجد القوات السعودية العسكرية. احتجاجات المهريين بلغت حد المواجهات أحياناً مع القوات السعودية. وهم يلوحون هذه المرة بالخيارات الأخرى التي قد يضطرون اليها لإخراج القوات السعودية التي يتهمونها بمحاولات ترهيبهم وفق تصريحات قياديين في لجنة الاعتصام السلمي. وسرعان ما ترجمت هذه التهديدات على أرض الواقع، حيث منع مسلحون قبليون في محافظة المهرة شرقي اليمن، مساء السبت، قوات سعودية من الوصول إلى منفذ حدودي مع سلطنة عمان، وفق مصادر محلية.
وأوضحت المصادر أن قوات سعودية تحركت من مطار الغيضة الدولي في المهرة، متجهة إلى “منفذ شحن” الحدودي مع سلطنة عمان. وأشارت المصادر، إلى أن مسلحين قبليين مناهضين للتواجد العسكري السعودي بالمهرة، اعترضوا طريق القوات السعودية قبل وصولها إلى المنفذ، وأجبروها على العودة إلى معسكر لها في مديرية حات بالمحافظة ذاتها. ولفتت إلى أن القوات السعودية كانت تحركت باتجاه “منفذ شحن” بذريعة إيصال جهاز فحص حراري سيتم تركيبه في المنفذ، ضمن إجراءات مكافحة التهريب.
ومن هنا تتصاعد الشكوك اليمنية بشأن النية السعودية مد أنبوب نفط للتصدير عبر المهرة للتصدير عبر بحر العرب، وتجد هذه الشكوك ذرائعها عند كثيرين يتساءلون عما كان الأولى بالجهد السعودي. أهو تكثيف السيطرة العسكرية على المهرة أم تعزيز بنود اتفاق الرياض الذي رعته المملكة بما يقتضيه من تفعيل سيطرة السلطة المحلية بدل وضع اليد الثقيلة ليس على المهرة فقط بل على سقطري وعدن وحضرموت.
كما أن أهالي المهرة يتخوفون اليوم من توسع الانتقالي الجنوبي في محافظتهم، ففي الآونة الأخيرة وخاصة بعد السيطرة الإماراتية عبر أذنابها على سقطرى (في المحيط الهندي)، حتى بدأت قوات "الانتقالي" المتهمة بتلقي توجيهاتها من الإمارات، بالتحرك في المهرة (شرق)؛ في محاولة لتنفيذ انقلاب جديد والسيطرة عليها. تلك التحركات واجهت مقاومة شعبية مسلحة، بعدما أغلق مسلحون قبليون في 24 و25 يوليو 2020، الطرق المؤدية إلى المحافظة، ومنعوا مرتزقة المجلس الانتقالي من الدخول إليها، وسيطروا على الساحات التي قال المجلس الانتقالي إنه سيقيم فيها فعالية تدعو إلى فرض المجلس الإدارة الذاتية على المحافظة.
وهنا يتساءل البعض حول التنافس السعودي الاماراتي على فرض الهيمنة على مدينة بعيدة عن الاقتتال والمعارك العسكرية، ويقول محللون هنا أن الإمارات تخطط للسيطرة على المهرة مبكراً مثلما فعلت مع عدن وبعض مدن الجنوب، فقد وصل ممثلون إماراتيون إلى المحافظة في أغسطس 2015، أي بعد 4 أشهر فقط من تدخُّلهم في اليمن، وكان المعلن أنها مهمة لدعم السلطة المحلية والحفاظ على الأمن بالمحافظة التي لم يصل إليها الصراع قط، قبل أن تنكشف مطامعها في اليمن.
ووسط هذا النزاع السعودي الاماراتي يظهر العماني، حيث أن الدافع الأبرز خلف محاولة عُمان تمكين نفسها في محافظة المهرة، هو سعي السلطنة إلى تأمين نافذة لها باليمن، بغية الاحتفاظ بقدر كافٍ من الحضور في البلد الذي يشرف على أحد أهم منافذ التجارة البحرية. فالوجود في المهرة يصبّ في مصلحة الأمن القومي للسلطنة، لأن وجود السعودية والإمارات يعني أن عُمان أصبحت محاصَرة في عقر دارها، كما لا يبدو أن مسقط ستغامر بخسارة نفوذها في المهرة، لأن ذلك يعني خسائر اقتصادية لها، إذ تدرّ المنافذ مع اليمن أموالاً كبيرة على الخزينة العمانية.