بقلم: فيصل التويجري
في خضم توتر مشهود في العلاقة بين البيت الأبيض ومجلس النواب الأمريكي الجديد، تقدم 20 نائباً أمريكياً بمشروع قانون للمجلس يقضي بوقف مبيعات السلاح والدعم العسكري للسعودية، هذا المشروع الذي ينتظر أكثر من خطوة قبل أن يتحول الى سياسة نافذة يعكس استياءً متزايداً في أوساط المشرعين الأمريكيين عكسته في غرفة الكونغرس الأخرى تصريحات لأبرز أعضائه وهو السيناتور ليندزي غراهم الذي أكد في تركيا أن الكونغرس بصدد إعادة فرض عقوبات على قتلة خاشقجي وأن علاقات بلاده مع السعودية "لن تمضي الى الأمام الا بعد التعامل مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان". فما دلالة عودة تحركات المشرعين الأميركيين ضد السعودية وما إمكانية نجاحها في تغيير سياسة واشنطن تجاه الرياض؟
لقد أضحت اليوم المصالحة الاقتصادية أولوية عند بعض الدول حتى ولو كان ذلك على حساب الأخلاق، وهذا أمر مؤسف للغاية، ففي حادثة تشمئز الاذان منها عند سماعها، أعلن رئيس جزر القمر، غزالي عثمان، أنه لا يرى ضيرا في أن يقتل الصحفي ما دام ذلك قد حدث في قنصلية بلاده، حيث قال "ذاك شأن داخلي ولا علاقة لأحد به وأرجو أن ينقل هذا الكلام إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز شخصيا" وذلك أمام سفير الرياض لدى بلاده وخلال تدشين طريق تموله السعودية.
المثال السابق هو نوعية من الدول التي أعلن عنها حرفيا عضو الكونغرس الأميركي البارز لينزي غراهام، وهو جمهوري من حزب الرئيس وأحد المقربين منه. فالرياض هنا لا تمول طريقا في بلاده فحسب ولكنها تسهم بمشترياتها الضخمة في إبقاء عجلة صناعة السلاح المهولة بالدوران، ما يعني استثمارات بمئات المليارات من الدولارات والتقديرات تذهب إلى أنها تتجاوز نصف تريليون دولار أي ما يزيد على 700 ضعف من إجمالي الناتج المحلي في جزر القمر.
غراهم يحاول معالجة هذا الأمر ولو بأقل الأضرار فسمعة أمريكا الأخلاقية على المحك بسبب تصرفات رئيسها المعتوه، ومن هنا لا يترك السيناتور الأمريكي أحدا من النخبة الحاكمة في أنقرة من دون أن يلتقيه، فالرجل عضو مرموق ومؤثر في مجلس الشيوخ الأميركي، وله آراء تسمع لا لدى الرأي العام الأميركي فحسب بل في البيت الأبيض نفسه الذي يختلف معهم غراهم في عدة قضايا أبرزها الموقف المفترض بالدولة الأكبر من اغتيال خاشقجي. ومن تركيا يعاود الرجل تكرار ما سبق وقاله، فالعلاقات مع الرياض لن تتقدم إلا عندما يتم التعامل مع ولي العهد السعودي، ولا يوضح ما يقصده بالضبط لكن يعتقد أنه يقصد معاقبة الرجل القوي في السعودية لمسؤوليته المفترضة في الاغتيال وهو ما ردده الرجل بعبارات أقوى وأكثر وضوحا عن السابق.
فغراهم قالها بصراحة أن الجريمة حدثت على الأراضي التركية وأن الأخيرة لديها ما يكفي من قرائن على من نفذ ونسق وربما مَن أمر.
وهنا يقول محللون أن الموقف الأخير لغراهم يأتي في سياق تعزيز موقف أنقرة في مواجهة محاولات تسويف وطمر ومحو الجريمة نفسها. وهنا يبدو أن غراهم ليس صوتا في برية إزاء هذا الأمر، فثمة نواب أميركيون عددهم عشرون من الحزبين تقدموا بمشروع قرار بوقف جميع صفقات السلاح مع السعودية ووقف الدعم العسكري لها بسبب اغتيال خاشقجي، وثمة نائب تحدث عن ثمن يجب أن يدفع لما وصفه بالبربرية السعودية. وذلك يعضد موقفا سابقا لمجلس الشيوخ الذي حمل بالإجماع ولي العهد السعودي مسؤولية اغتيال خاشقجي وهو ما يمثل عامل ضغط إضافي على إدارة ترمب لتغيير موقفها وبحسب كثيرين فإن احتدام الصراع بين مجلس النواب والرئيس الأميركي على خلفية إغلاق الحكومة من شأنه إعادة التركيز أكثر على قضية خاشقجي فما يؤخذ على أنه ناصر فعليا ولي العهد السعودي بأن نأى به مباشرة عن الجريمة رغم كثافة الشبهات حوله وهو ما يقول نواب أميركيون إن سببه وربما يكون تغليب ترامب لمصالحه التجارية على مصالح الدولة الأميركية.
ختاماً، ان أمريكا اليوم أمام خيارات صعبة، اذ أنها ستخسر الكثير إذا ما قامت بعزل السعودية، كما أنها ستخسر الكثير أيضاً على الصعيد الإنساني وذلك بسبب رفعها يافطة "حماية حقوق الانسان" في العالم. اما على المقلب الآخر على ما يبدو أن بن سلمان سيظل وحيداً معزولاً حتى تكشف الضباب حول القرار الأمريكي، الذي على ما يبدو أنه سيكون بلا شك "معاقبة الرجل ولو بعد حين".