تصدرت لقطة المصافحة اللافتة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال اجتماعات مجموعة العشرين في الارجنتين، عناوين الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي وأحاديث المحللين السياسيين الذين رؤوا أن هذه المصافحة ليست عفوية على الإطلاق في هذا الوقت الذي يحوي على زخم كبير من الأحداث في منطقة الشرق الأوسط من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.
والسؤال الذي يأتي للأذهان بمجرد رؤية فيديو المصافحة هذه، التي جسدت سابقة لم تُرصد قبلاً بين الجانبين في اللقاء السعودي والفرنسي، والذي يظهر فيه أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمكان "الكومبارس" الذي يقف من بعيد يشاهد كف بوتين تضرب بكف بن سلمان، وفي نفسه سؤالنا نفسه: ماذا أراد بوتين من بن سلمان؟ وماذا أراد بن سلمان أيضاً من بوتين؟
بداية نشير إلى أن أقوى رئيسين في العالم إن صح وصفهما "سياسياً"، بوتين وترامب، كانا حاضرين في قمه العشرين هذه، ومن المعروف أن بن سلمان هو أهم حليف عربي لترامب، ومن المفترض أن تكون هذه المصافحة بين هذين الاثنين وعلى بوتين أن يقف بعيداً، إلا أن ما حصل كان العكس تماماً، حتى أن ولي العهد نفسه توقع أن يحتفي ترامب برؤيته ويتمنع بوتين عن مصافحته، كون السعودية وروسيا لا تتفقان في كثير من الأمور السياسية وخاصة تدخل المملكة بالشأن السوري، لكن ماحصل هو أن ترامب أبى أن يتنازل لحليفه ويصافح يده، وهنا ما كان من روسيا إلا أن تدخل على الخط.
مدلولات المصافحة: الرجل الأقوى
إذا ما تعمقنا قليلاً في مدلولات هذه المصافحة، وخاصة أن لا شيء في السياسة يمر مرور الكرام، يظهر أنها تحوي على عدة نقاط هامة، منها ما قد يوحي بتصدع في العلاقات الأمريكية-السعودية إذا ما غيرت المملكة حليفها واتجهت للدب الروسي، فأي خلل بالعلاقات السعودية-الأمريكية وأي فراغ قد يحدث، سنرى الروسي يمر خلاله ليبني علاقة تغيظ منافسه الأمريكي، ومنها ما يوحي بأن بن سلمان شاب متهور لم يعرف ماذا يفعل عندما رأى أمامه الرئيس الروسي الذي يوازي الرئيس الأمريكي بالمكانة السياسية.
فبوتين جعل من روسيا دولة ذات نفوذ قوي في منطقة الشرق الأوسط ودون منازع، في وقت يتدخل به ترامب في الدول الأخرى دون إذن خارقاً السيادة بشكل علني، وهنا لا بد أن نذكر أن دمشق هي خير مثال لذلك، فالتواجد الروسي في سوريا يقابله التواجد الأمريكي غير الشرعي من خلال "التحالف الدولي" الذي يزعم محاربة "داعش"، وأيضاً النفوذ الروسي أمامه فرصة للتوسع في مناطق ضفاف المتوسط ربما، وكل ذلك وفق اتفاقات وصفقات رسمية أو كحليف لدول معينة، وهنا كان يريد بن سلمان أن يقف بجانب الرجل الأقوى مستقبلاً.
وتفسير آخر للمصافحة يمكن أن نورده، هو أنه إذا لم تكن أمريكا هي المقصودة من هذا السلام، فلربما أوكرانيا التي هي ند لروسيا وتلجأ لأمريكا، والأخيرة تفاوض روسيا من أجل ألا تفقد ماء وجهها السياسي أمامها وطبعاً لتحقيق غاية في نفسها، فهنا كانت الرسالة تمر من روسيا عبر السعودية وتصل لأوكرانيا بأن أمريكا لن تنفعك بشيء، ويد ولي العهد كانت فقط بمثابة قلم تكتب هذه الرسالة.
جهل بروتوكولي!
في الأعراف الدبلوماسية لم نر مثل هذه المصافحة، ويبدو أن بن سلمان ليس لديه دراية بالبروتوكولات السياسية، وتصرف دون وعي، فحين وجد أمامه الرجل الثاني المعروف بثقله السياسي، لم يسيطر على يده وأعطى بوتين "هاي فايف"، وفي كل اللقاءات التي جمعت سياسيي العالم، كانت المصافحات محط اهتمام عدسات الكاميرات بامتياز، لكنها كانت مصافحات متزنة تعكس وعي ودراية الشخصين المتصافحين، فهل يرى بوتين من محمد بن سلمان مجرد شاب متهور لا يرقى لأن يصافحه كما يصافح سياسيين غيره واكتفى بضرب كفه بكف الأمير كما يلاعب الجد حفيده الصغير؟
وبنظرة أخرى وبالاستناد لتصرفات الأمير الأخيرة في إطار ما أسماه "التطوير والتحديث" الذي أحدث خللاً داخلياً وخارجياً في المملكة، تمثل باحتجازه لأمراء سعوديين وتدخله بسيادة دول أخرى ودعمه للحرب على اليمن وتورطه بقضية قتل الصحفي السعودي جمال الخاشقجي، فهل هذه المصافحة الجديدة التي انتهجها بن سلمان هي ضمن رؤيته للتحديث التي تعصف بالمملكة؟
عتب فرنسي
وكي لا ننحاز للمصافحة الروسية-السعودية، نتطرق للموقف الفرنسي أيضاً الذي تجسد في فيديو نشرته "رويترز" وانتشر على نطاقٍ واسع عبر الشبكات الاجتماعية، يمكن خلاله رؤية الرئيس الفرنسي ماكرون ومحمد بن سلمان وهما يتحدثان سوياً باللغة الإنكليزية، ورغم أن أغلب الصوت في الفيديو غير مسموع، إلا أنه يُمكِن تبيُّن بن سلمان يقول: "لا تقلق"، فيجيب عليه ماكرون: "أنا قلِق"، ولاحقاً قال ماكرون: "أنتَ لا تستمع لي أبداً"، ويرُد عليه بن سلمان قائلاً: "سأستمَع لك، بالطبع".
هنا يتبين أن هناك عتب فرنسي من السعودية، فيبدو أن الأولى لم تعد ترى في بن سلمان شخص يوصى به لتنفيذ المشروع الغربي في المنطقة، فهو بالنسبة لها شخص غير متزن يصافح ترامب تارة، وبوتين تارة، ويستمع لماكرون تارة، ويتصرف من رأسه تارة -كما حدث في قضية احتجاز الحريري وقتل خاشقجي-، والمشروع الغربي يحتاج لشخص متزن بالنسبة لهم وموقفه واضح.
خلاصة ما سبق، أن بن سلمان لفت الأنظار إليه بأمور هي أصغر من أن يحكى بها، فقمة كهذه جمعت عدد كبير من رؤساء العالم، كان الأجدر بها أن تعود بصفقات مفيدة على المملكة وتتصدر أخبارها عناوين النشرات، أو لقاءات سياسية ذات أهمية مع الموجودين، ولكن ما حصل هو أن أغلب الحديث كان يدور عن مصافحة ولي العهد للرئيس الروسي، فهل حاول بن سلمان التهرب عمداً من هذه اللقاءات كي لا يُسئل عن قضية خاشقجي التي ترمي بذيولها في أي مكان يتواجد به مسؤول سعودي؟