التغيير - طلال حايل
كثير من المراقبين لم تفاجئهم الأحكام الصادرة بحق المُتهمين بجريمة الغدر بخاشقجي ولا حتى تبرئة مُنفذي هذه الجريمة، فحتى أكثر المُتفائلين لم يكن ليتوقع حكمًا غير ذلك الذي خرج به قضاء آل سعود، فمن يتوقع إدانة القحطاني أو العسيري وهما أيدي بن سلمان التي يبطش بها، وعينيه اللتين يرى بهما؟
لكن الطريف بالأمر هو ما كتبه محمد آل الشيخ في صحيفة الجزيرة التابعة لنظام آل سعود، حيث أكّد ما كان يتوقّعه الجميع من أنّه مَن يعرف ثوابت عائلة آل سعود منذ عهد عبد العزيز وحتى سلمان بن عبد العزيز لم تُفاجئه الأحكام "الشرعية" التي صدرت بشأن قضية الكاتب جمال خاشقجي، بالفعل فإنّ ما كتبه آل شيخ صحيح ودقيق مائة بالمائة، وخير مِثالٍ على ذلك الانقلاب الذي قاده عبد العزيز على جماعة إخوان من أطاع الله والتنكيل بهم وسجنهم وقتلهم بعد أن أدّوا المهمة المطلوبة منهم، وعلى خطى جدّه؛ انقلاب ابن سلمان بضوءٍ أخضر من أبيه سلمان على العلماء ورجال الدين حيث قال بن سلمان في مقابلة تلفزيونية عام 2017: "لن نُضيع ثلاثين سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، سوف نُدمّرهم اليوم وفورا".
إذن هذه هي ثوابت آل سعود يتوارثها جيلٌ بعد جيل، فلا عدلٌ ولا حقوق ولا صوت يعلو فوق صوت آل سعود، وهذا ما أكدته هذه المحاكمة التي تُعيدنا إلى فيصل الدويش الذي سجنه عبد العزيز ومات في سجنه قبل تسعون عامًا، وهو الذي -أي الدويش- قدّم الغالي والنفيس في خدمة عبد العزيز غير أنّه وبعد انتهاء دوره الوظيفي أودعه السجن، وهكذا الحال مع الخاشقجي الذي كان من أقرب المقربين إلى آل سعود وتم تعيينه ملحقا ثقافيا في السفارة بلندن الى جانب رئيس الاستخبارات تركي الفيصل الذي كان سفيرا هناك ، لكن وبعد أن بدأ يُغرد خارج السرب لم يجد بن سلمان حرجًا من قتله.
مبتعدًا عن القضية المركزية وهي جريمة قتل الخاشقجي؛ يتابع آل الشيخ كيل المديح لآل سعود وأنّهم ضاربةٌ جذورهم في أعماق التاريخ وأنّهم وأنّهم، غير أنّه ربما لا يعرف أنّ حكم آل سعود في جزيرة العرب لا يتجاوز الثلاثمائة عام متقطعة، وهذا الرقم في تاريخ الشعوب والدول لا يُعادل جناح بعوضة في غابة مهجورة، ولن ندخل في نقاش عقيم حول تاريخ آل سعود فالجميع يعرفه، ويعرف أيضاً كميّة الدم التي أراقتها هذه العائلة منذ وجودها في قلب جزيرة العرب على غفلةٍ من التاريخ، وكميّة العمالة للإنكليز التي قام بها آل سعود الأوائل طمعا بتشكيل دولتهم.
غير أنّ الغريب في حديث آل الشيخ هو حديثه عن الدول التي تحميها البوارج الأجنبية والجنود الأجانب، أولم يسمع آل الشيخ بأنّ مملكته ولولا تلك البوارج لم تكن موجودة الآن، وأنّ البوارج التي تحدّث عنها تُرابط على شواطئ الخليج، وأنّ القواعد العسكرية الأمريكية ممتلئة بالجنود الأمريكان في قلب الجزيرة العربية؟.
تحقيق دولي ومحكمة دولية
يختم آل الشيخ مقالته معتمدًا على تغريدة نجل الخاشقجي صلاح التي قال بها: "إنصاف القضاء يقوم على مبدأين: العدالة وسرعة التقاضي؛ فلا ظلم ولا مماطلة. اليوم القضاء أنصفنا نحن أبناء المرحوم - بإذن الله - جمال خاشقجي، ونؤكد ثقتنا بالقضاء السعودي بمستوياته كافة، وقيامه بإنصافنا، وتحقيق العدالة. الحمد لله، والشكر له" وبحسب قول آل الشيخ فإنّ هذه القضية وبهذه الأحكام طُويت إلى الأبد!.
أولًا؛ ليعلم آل الشيخ بأنّ هذه القضيّة لم ولن تُطوى، وأنّ أحكام آل سعود ليست أكثر من مجرد حبرٍ على ورق، والجميع يعلم كيف كتب نجل الخاشقجي تغريدته، أو ربما في أيِّ مركز استخباراتي كتبها؛ طبعا إن كان هو من كتبها.
ثانيًا، ليس صلاح الخاشقجي وحده هو صاحب الدم، فلا ينسى آل الشيخ أنّ خطيبته التركية ومنذ مقتل جمال لم تكلَّ ولم تمل من المطالبة بالعدالة، ولهذا السبب تسافر يوميًا إلى بقاع الأرض مطالبةً المجتمع الدولي بتحقيق القصاص من قتلة جمال وعلى رأسهم بن سلمان، وليس فقط القحطاني والعسيري.
أكثر من ذلك؛ الدولة التركيّة بحدِّ ذاتها والتي وقعت الجريمة على أراضيها، لم تكل هي الأخرى من المطالبة بتحقيقٍ دولي وشفاف، ومحكمة دولية للبت في هذه القضيّة، وفي حال حدوث هكذا محكمة فإنّ بن سلمان لن يكون بعيدًا عن الاتهام، خصوصًا وجميعنا يشهد اليوم الحالة المُتوترة بين آل سعود وأنقرة التي لن تهدأ قبل أن تُقصي آل سعود عن عرش الجزيرة العربية.. وهي قادرة ان تفعل كما فعلت في حكام ال سعود في الدولة السعودية الاولى والثانية.