بقلم: فيصل التويجري
ليس في منتصف الليل هذه المرة، تصدر أوامر ملكية سعودية جديدة تتعلق في تعديلات وزارية ضخمة ومتنوعة في مجلس وزراء الذي يرأسه العاهل السعودي، وأبرز التعديلات كان من نصيب وزارة الخارجية التي أعفي منها عادل الجبير ليمسي وزير دولة للشؤون الخارجية. هذا التعديل المفاجئ لاقى سخرية كبيرة من القارئ العربي والسعودي والخليجي خاصة فالرجل الذي كان بالأمس يهدد دولاً، ويأمر بإسقاط رؤساءً وانظمة، ويرمي بتهم الإرهاب كل من لا يهوى ويستسيغ حكامه، واليوم ودون سابق إنذار يدخل الرجل في أحد أدراج وزارة كان يقودها كمن يقود شاحنة ضخمة في ليل حالك على أحد طرقات الرياض الواعرة.
هو "المرتبك المتلعثم"، عادل بن أحمد بن محمد عثمان الجبير المطرفي الهُذلي، يراه كثيرون على هيئة دبلوماسي فاشل، قلِق وغير متزن، وربما متوتراً أو خائفاً من شيء ما، لكن ما يتضح من ظهوره في كل مرة أنه غير مصدِق لما يقول، فيخطئ ويتلعثم فيعود لتصحيح ما يقول، فيخطئ مرة أخرى، فيذهب للهجوم وقذف الاتهامات شمالاً ويميناً، فيرتبك، فيخطئ فيصم، وبسبب هذه الأخطاء يعود اليوم بأمر ملكي سعودي إلى الصفوف الخلفية في وزارة الخارجية السعودية بشكل ربما يُرى فيه تصغير لحجمه وسطوته ليتحول إلى وزير دولة للشؤون الخارجية دون سبب معلن.
وخلال فترة ادارته لوزارة الخارجية السعودية شهدت المملكة على الصعيد الخارجي كثيراً من التخبط وعدم الاتزان في كثير من الملفات بداية من الملفين السوري والعراقي والمواجهة مع إيران، مروراً باليمن والتعامل مع قانون "جاستا" نهاية بحصار قطر وتفاقم الأزمة الخليجية التي عرت الغطاء الأخير للخارجية السعودية ووضعتها في مرمى انتقادات لاذعة كان في عين الهدف منها وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير.
وفيما يلي سنذكر عدة أمثلة حول حالة التخبط التي عاشها الجبير خلال تسلمه وزارة الخارجية:
العلاقات مع قطر
تناقض وتلعثم كبير شهدته تصريحات وأفعال وزير الخارجية السابق عادل الجبير في قضية حصار قطر، فقد صرح سابقاً أن الهدف من قطع العلاقات مع قطر وحصارها جواً وبراً وبحراً هو دعم الدوحة للإخوان المسلمين وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث اعُتبر التصريح سقطة دبلوماسية غير محسوبة للوزير السعودي، فدعم المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني المظلوم هو مبدأ تمسكت به الشعوب العربية منذ العام 1948 واحتلال فلسطين. الا أنه أيضا في العام نفسه عملت وزارة الخارجية السعودية نفسها على التواصل مع حزب الإصلاح اليمني وهو حزب يضم في مرجعيته أفكار جماعة الاخوان المسلمين، وهو تناقض أثبت أن المملكة العربية السعودية لا تعرف أصلا سبب الأزمة الخليجية وحصار قطر.
الجبير وفلسطين
في القضية الفلسطينية، لم يختلف الوضع عن سابقه، فبالرغم من أنها القضية الأولى للعرب، وتقوم "إسرائيل" يومياً بالتنكيل بالشعب الفلسطيني وتحاول تحقيق صفقة القرن، خرج عادل الجبير مراراً ليقلل من أهمية القضية الفلسطينية في المرحلة الحالية بالنسبة لأولويات السياسة السعودية، فقد كشف تصريح الجبير لجريدة "معاريف" الإسرائيلية قوله "القضية الفلسطينية ليست أولويتنا، فهناك الملف السوري ومواجهة إيران وهي القضية الجوهرية اليوم بالنسبة للمملكة". إضافة الى ما كشفته تقارير استخباراتية عن وثيقة سرية صادرة عن وزارة الخارجية السعودية، قام عادل الجبير بإرسالها الى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وفيها خلاصة مباحثات وتوصيات حول مشروع إقامة علاقات بين السعودية وإسرائيل، استناداً إلى ما أسماه اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، الوثيقة ذاتها كشفت كل ما سرب ويجرى التداول فيه منذ زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى السعودية في آيار الماضي، حول انطلاق مساع أمريكية لتوقيع معاهدة صلح بين السعودية وإسرائيل، ضمن ما سمي بـ "صفقة القرن".
من هو وزير الخارجية الجديد
إبراهيم العساف، وزير المالية السابق والمتهم بقضايا فساد أدخلته فندق ومعتقل الريتز كارلتون، أوائل شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي بتهمة تلقيه رشاوي وأموالاً مقابل منح مناقصات في قضية توسعة الحرم المكي، بالإضافة إلى قضايا فساد مالي أخرى واليوم وبأمر ملكي يتم تعينه وزيراً للخارجية. ومن خلال هذا التعيين يتضح لنا التخبط وعدم الالتزان في سير الخط السياسي والدبلوماسي السعودي، فكيف يتم تعين رجل متهم بقضايا تخل بالسمعة في منصب وزاري رفيع، هي ربما ذات السياسة التي أوصلت المملكة اليوم إلى حافة خطر وجودي ومكاني يهدد مستقبلها ومكانتها.
في الختام، وبما أنني مواطن سعودي يحق لي التساؤل بالتالي: هل ينجح من كان معتقلاً بتهمة الفساد المالي وتقاضي الرشاوى في إصلاح ما هدمه المتلعثم عادل الجبير؟ والى أين ستؤول اليه الأمور؟ أسئلة مشروعة ستجيب عنها الأيام القادمة حتماً وكان الله بعوننا!