الرياض تنفي ما يؤكده الجميع، بشأن لقاء ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" برئيس وزراء الكيان الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بحضور وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو". لكن الأكيد أنها لا تستطيع أن تتجاهل المياه التي تجري هذه الأيام في النهر الأمريكي فتستبقها بخطوة قد يكون لقاء بن سلمان بنتنياهو تمهيداً لأخرى أقوى دوياً منها في المستقبل غير البعيد.
هذا اللقاء سبقتها لقاءات أخرى، هذا ما يؤكده المسؤولون الإسرائيليون، حيث يقول السفير الإسرائيلي السابق "إسحاق ليفانون" أن اللقاءات بين المسؤولين السعوديين والإسرائيليين مستمرة منذ زمن. وأضاف ليفانون أن زيارة نتنياهو الى السعودية ليست مستغربة بالنظر للعلاقات والاتصالات بين رئيس الموساد "يوسي كوين" وعدد من المسؤولين السعوديين.
هذا اللقاء كانت أهميته أنه عقد على ارض مشروع نيوم الذي تم تسويقه حينها على أنه يندرج تحت إستراتيجية الأمير الشاب بهدف تنويع الموارد الاقتصادية والخروج شيئًا فشيئًا عن عباءة الاعتماد على عوائد النفط كمصدر اقتصادي وحيد للمملكة، الأمر الذي يحمل في ثناياه تهديدًا كبيرًا لمستقبل السعودية الاقتصادي حال تعرض هذا المورد لأي هزة في الأسعار أو الإنتاج، وهو ما حدث أكثر من مرة.
وان تعمقنا أكثر نرى أن هذا المشروع يصب في مصلحة العدو الذي سيكون أبرز الرابحين منه، فيما يلقي بظلاله السلبية على مستقبل الاستثمارات في مدينتي "شرم الشيخ" المصرية و"العقبة" الأردنية، فالخطة المعدة لبناء تلك المدينة ستعطيها قوة تنافسية كبيرة، تجعلها قادرة في وقت قصير على سحب الاستثمارات من منتجع "شرم الشيخ" المصري، وهو أبرز المناطق السياحية ذات القيمة والعائد الكبير للاقتصاد المصري. التطور المتوقع في نوعية وطبيعة مشروع نيوم سيجعلها قبلة الاستثمارات الأجنبية العالمية، وذلك على حساب الجار والحليف المصري في جنوب "سيناء"، هذا بخلاف سحب البساط من تحت ريادة شرم الشيخ وسيناء (طابا ودهب ورأس محمد وغيرها) للسياحة العربية.
أما بالنسبة للأردن، والذي يعاني اليوم من أزمة مالية واقتصادية صعبة، سيكون هناك انعكاسات ضارة على مشروعات تطوير واجهة الأردن على خليج "العقبة"، ففي الوقت الذي تكثف فيه "عمان" جهودها لتطوير تلك المنطقة بما يسمح لها بتعزيز عوائدها الاقتصادية لتخفيف المأزق الاقتصادي الذي تواجهه فإن المدينة السعودية الجديدة ستقضي على آمال الأردنيين في هذا المجال.
أما بالنسبة للكيان الإسرائيلي، فهو الأكثر فرحاً من إتمام هكذا مشروع، حيث يرون أن ابن سلمان قد أقام تلك المدينة خصيصًا لتحقيق حلم كيانهم في المنطقة، حيث الريادة الاقتصادية والاستثمارية والسيطرة على ملتقى القارات الثلاثة وممر التجارة الأبرز في العالم. كما أن هذا المشروع سيكون له أثر إيجابي على صحراء "نقب" فلسطين، وهي المنطقة التي يعتبرها خبراء رمانة الميزان في استمرارية دولة الاحتلال لعقود طويلة مقبلة، كونها أول خطوة في طريق تحقيق حلم "تل أبيب" في أن تكون وطن يهود العالم عن طريق استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين في مشروعات التنمية. صحيح أن النقب هي صحراء إلا أن الاحتلال وبإمكاناته التكنولوجية بإمكانه تحويلها إلى منطقة صناعية زراعية سياحية تعزز من قوته الاقتصادية، ما سيمنحه التفوق النسبي على الاقتصادات المجاورة، لا سيما الخليجية، ما يؤهلها لأن تكون قبلة اليهود من مختلف دول العالم، الطامعين في الاستثمار.
في الختام أن لقاء بن سلمان ونتنياهو في نيوم كشف الأهداف الخفية من هكذا مشروع، صحيح إن الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" قد رحل بلا رجعة، إلا أن هذا اللقاء والكشف من غاية مشروع نيوم الإيجابية على "إسرائيل" والسلبية للعرب يعد بمنزلة مكافأة لـ "جو بايدن" الذي يخشاه بن سلمان، وهو ما يمهد لعلاقة طيبة بين واشنطن والرياض، فبايدن يدعم التطبيع العربي الإسرائيلي، وإذا طبعت السعودية علاقاتها مع إسرائيل ستكون جائزة كبرى لواشنطن.