بقلم: عبدالعزيز المكي...
قبل التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة اليمنية، شاهد الخبراء والمحللون كيف ان الولايات المتحدة الأمريكية مارست ضغوطاً كبيرة على النظام السعودي لمنعه من ابرام اتفاق سلام مع اليمن، سيما وان اليمن منحوا هذا النظام فرصاً كثيرة لإنجاز هذا الاتفاق وانهاء حالة الحرب بين الطرفين، ومن ثم رفع الحصار الذي تفرضه السعودية على الشعب اليمني منذ ما يقرب من 12 عاماً، وحينها دعا اليمن السعودية إلى توقيع الاتفاق الذي توصلوا اليه قبل اكثر من سنة لأنهاء الحرب، الا ان النظام السعودي ظل يماطل ويسوف ويتملص، حتى قبيل التطورات الأخيرة، حيث اتضح ان الولايات المتحدة هي التي منعت هذا النظام من انجاز صفقة السلام مع اليمن! ليس هذا فحسب، بل ان النظام السعودي حشد قواته وجمع مرتزقته وجلب الاسلحة والمعدات الحربية المتطورة وتهيأ للحرب ضد الشعب اليمني، وزج بالآلاف من المجندين والمرتزقة بعد تدريبهم وتسليحهم باعتى الأسلحة، وصعد إعلاميا ضد اليمن، استعداداً لجولة قتال جديدة وحامية، وتوعد جنرالاته وقادة المرتزقة بالسيطرة على صنعاء هذه المرة والقضاء على الحوثيين وقطع شأفتهم في اليمن.. والقصة معروفة! ترافق ذلك مع تحريض أمريكي واضح وعلني لخوض النظام السعودي هذه المعركة! ومن الجدير هنا إن نشير إلى الأهداف التي تتحرك نحوها الإدارة الأمريكية من وراء هذا التحريضي ومحاولة الدفع بالنظام السعودي للتورط في جولة حرب جديدة في اليمن، ويمكن ان نذكر بعض هذه الأهداف بما يلي:
1 ـ منذ أن أخفقت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في اسقاط النظام الاسلامي في ايران، الهدف الاساسي الذي اعلنته لعدوانها، ومعها الكيان الصهيوني.. منذ هذه الهزيمة العسكرية ظلت تحشد وتحرض لأشراك دول المنطقة في هذا العدوان، خصوصاً السلطات السعودية، وفيما رفضت السعودية على الأقل ظاهريا الزج بها علنا في هذا العدوان، ظلت واشنطن تبحث عن فرص لتوريط السعودية في اتون هذا الصراع، ولذلك سعت هذه المرة من بوابة المشهد اليمني، فبعد ان عرقلت التوصل إلى اتفاق صلح بين اليمن والسعودية، دفعت وشجعت النظام السعودي على محاربة اليمن. وتحشيد وتسليح مرتزقته وسوف تقف أمريكا الى جانبهم، وقد وقعت السلطات السعودية في فخ التحريض الأمريكي وصعدت مع اليمن وحينما اشدت اتون المعركة رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدخول في الحرب وتقديم الدعم العسكري المباشر للسعودية!!
2ـ وبهذا التوريط للسعودية تكون الولايات المتحدة قد حققت ما كانت تريده، وهو استنزاف واضعاف قدرات قوى المقاومة مثل اليمن، في المنطقة، ولكن من خلال السعودية، وليس من خلال الولايات المتحدة التي استنزفتها الحرب مع إيران، ذلك في الوقت نفسه اجبار السعودية وتحت الضغط اليمن العسكري والبحري على اللجوء إلى الولايات المتحدة، ووضعها في حالة تكون فيها اكثر استجابة للإملاءات الأمريكية بدلاً من الوضع الذي كان قبل التورط السعودي، والذي كان فيه النظام السعودي أميل إلى النأي بنفسه عن العدوان الامريكي الصهيوني على ايران، وسعى إلى تعزيز روابطه مع الصين أو حتى روسيا!! أما في حالة حقق النظام السعودي انتصاراً ومرتزقته في الساحة اليمنية فذلك يصب في الاستراتيجية الامريكية، ويتمثل في كسر القوة اليمنية التي يعتبرها الأمريكي سندا لقوى المقاومة في المنطقة وإيران، وبالتالي يتخلص من احتمالات انسداد مضيق باب المندب.
3ـ توريط السعودية يتيح للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تحشيد الدول العربية والإسلامية في الحرب ضد ايران ومحورها تحت عنوان الدفاع عن (الديانة السنية) او تحت عنوان الدفاع عن المقدسات السنية او تحت عناوين أخرى، ولا نستبعد ان تكون كذبة اعتداء اليمن على مكة المكرمة، جزءاً أو تمهيداً لمثل هذه السيناريو المحتمل، وذلك يفسر بالطبع الطلبات المتكررة لنتنياهو ولروبيو وزير الخارجية الأمريكي للنظام السعودي في الانخراط في هذه الحرب العدوانية، اذ تكثفت هذه الطلبات بعدما تأكدت واشنطن أنها لا يمكنها الحاق الهزيمة بطهران، بل على العكس ان ايران كبدت الأمريكان خسائر فادحة في الأرواح والمعدات وفرضت عليهم حرب استنزاف ثقيلة ومضنية، لاحظ روبيو كيف يحرض السعوديين نحو المشاركة في مواجهة اليمن في الوقت الذي اعلن فيه ترامب أنه لا يشارك في الحرب على اليمن عندما طلب منه محمد بن سلمان المشاركة ضد اليمن!! يقول روبيو محاولا توظيف الوضع في اليمن في اطار ربط أمريكا هذا الوضع بإيران من أجل التحشيد والتحريض ضد ايران وحلفائها في المنطقة قائلاً: "الحوثيون من نواح عديدة عملاء ووكلاء للإيرانيين اعتقد ان ايران تقف وراء بعض هذه الاحداث بوضوح"!! وبعد ان أشاد بمشاركة السعودية في دعم مرتزقتها اليمنيين واكد على العلاقات العسكرية الوطيدة مع السعودية تهرب من الإجابة على سؤال حول طلب النظام السعودي مشاركة أمريكا في هذه الحرب قائلاً : "أما فيما يخص الجانب الدفاعي فأفضل ترك الأمر لوزارة الحرب لا اعتقد انه سيصدر أي بيان بهذا ا الشأن اليوم"!
4ـ أمريكا تريد من توريط السعودية في اليمن اشعال حرب إقليمية واسعة النطاق ضد ايران وحلفائها، لتخفيف العبء عن واشنطن وتل ابيب عسكرياً، أولاً، وثانياً لإجبار السلطات السعودية وبقية الاعراب على عقد صفقات أسلحة جديدة ودعم واشنطن بتمويل جديد تستفيد منه لمواصلة عدوانها على طهران، وثالثاً، لخلق ظروف عسكرية وسياسية لفرض الإملاءات على السعودية وبقية العربان بما يتناسب مع متطلبات المشروع الأمريكي الصهيوني ولذلك لاحظنا اشتراط تطبيع السعودية مع العدو مقابل تقديم العون العسكري للنظام السعودي عندما طلب منه هذا النظام البائس في حربه على اليمن!!
على أي حال، رغم التحذيرات ورغم النصائح من أكثر من طرف للنظام السعودي من الوقوع في الفخ الأمريكي الصهيوني، الا أن هذا النظام لم يأخذ العبرة ولم يستوعب الدروس السابقة، فنزل بكل ثقله في حرب طاحنة شنها على صنعاء!! ولكن سرعان ما تبددت أوهامه، واكتشف انه وقع في المأزق وفي المحذور، اذ انتهت جولات الحرب العنيفة التي جند لها النظام كل قوته الجوية والبرية، وكل مرتزقته وكل أسلحته التي ظل يكدسها في جبهات القتال طيلة الفترة الماضية، فكل هذه الحشود وتلك الأسلحة ليس لم تحقق له أحلامه وأحلام أسياده الامريكان والصهاينة وحسب، وإنما غيرت تلك الحرب من المشهد اليمني جذرياً، اذ اسفرت عن المعطيات الجديدة والاستراتيجية، والخطيرة جداً على النظام السعودي، والتي يمكن إيجاز بعضها بالنقاط التالية:
1ـ سيطرة اليمنيين على الساحل الغربي من ميناء الحديدة وحتى باب المندب وجزر ميون وحنيش وغيرها، وطرد التحالف السعودي ومرتزقته من ست مديريات على الساحل الغربي، ما يعتبر ذلك بنظر المراقبين والخبراء العسكريين تطوراً استراتيجيا هائلاً من النواحي العسكرية ومن النواحي الأخرى وأهمها التحكم بممر التجارة العالمي مضيق باب المندب الذي تمر منه ذهابا وإياباً أكثر من 30 % من حركة التجارة العالمية.. يقول الباحث في الشؤون الاستراتيجية ورئيس مركز (بروغن للدراسات) رضوان قاسم: "ان صنعاء باتت تمتلك يداً طولى عسكرياً وسياسيا إلى جانب اتصالات مهمة، وتغيرّ في الموقف الدولي تجاه أنصار الله في اليمن، ويجزم (قاسم) بأن هذا التغيرّ يرتبط بإدراك أطراف دولية أن النظام الذي كان يحكم المنطقة في اشارة منه إلى الولايات المتحدة لم يعد قادراً على حماية نفسه، معتبراً أن الشرق الأوسط أمام متغيرات جذرية على الصعيدين الدولي والاقليمي، وان اليمن سيكون له دور أساسي ومهم فيه. ويختم قاسم تأكيده بأن العمليات العسكرية ضد اليمن خاطئة بالكامل، وانها ستنعكس على النظام السعودي سلباً، حتى لو كانت السعودية تعتقد أنها تستطيع استغلال الأزمة الاقتصادية العالمية وازمة الطاقة لمصلحتها"! أما الباحث والخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور محمد عصام هزيمة فقد اشار الى ان حرب السعودية على اليمن، هو قرار أمريكي وان الهدف هو اشغال القوة اليمنية واضعافها بعد ان فشل الامريكان في مواجهتها في (حارس الازدهار)، وغيره من محاولات التحشيد العسكري السابقة ضد اليمن! ولام هزيمة النظام السعودي على عدم استغلاله فرص اليد الممدودة لليمنيين لإنهاء العداء وفض الحصار على اليمن، مؤكداً أن هذه الحرب لم تخدم النظام السعودي بل باتت تهدد وجوده واستمراره في الحكم!! موضحاً معطيات تفصيلية في هذا المجال وادلة دامغة لا مجال لذكرها كاملة! ويختتم هزيمة حديثه بالقول "على أنه لا يمكن تحقيق التكافؤ بين مقاتل يمني ينتمي إلى قضية ويدافع عن حقه، وبين البلطجة السعودية التي تمتلك فائضاً من الأهداف والمواقع ذات القيمة الاقتصادية والعسكرية المرتفعة".. مؤكداً ان ضرب هذه الأهداف لا يؤثر في السعودية لوحدها ولا يؤدي الى تراجع مكانتها الاقتصادية وتأثيرها الداخلي، وإنما يضغط أيضاً على رعاتها الخارجيين ويلغيهم من المعادلة!! وهكذا يذهب اكثر الخبراء مثل الباحث في الشؤون الاستراتيجية الدكتور على الحمية، والخبير العسكري العميد عمر معربوني وغيرهم إلى هذا الرأي، أن السعودية أخطأت في التورط بحرب اليمن مجدداً وخضعت للإملاءات الأمريكية وبالتالي فأن المخاطر التي تنتظرها ستكون كبيرة جداً!
2ـ إن سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي ضاعفت من مفاعيل معادلتهم، الحصار بالحصار والميناء بالميناء والبادي أظلم... وجعلتهم أقدر بمرات عديدة على خنق السعودية اقتصاديا وتجاريا وهذا ما أكده الخبراء والمتابعون أيضاً .. يقول الخبير العسكري عمر معربوني "ان دخول السعودية مجدداً على خط المواجهة يعد خطيئة لأن تبعاته ستكون كبيرة وكبيرة جداً، خصوصاً اذا استكمل هذا الأمر بضربات يمنية عسكرية دقيقة على مراكز الطاقة.. فستكون النتيجة باهضه وتكلفتها عالية جداً على السعودية"! أما الباحث والخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور محمد عصام هزيمة فيقول "ان اصابة أرامكو تعني اصابة التاج السعودي؛ لأن قيمة السعودية مرتبطة بقيمة انتاج النفط، كما ان بقاء النظام الحاكم في السعودية مرتبط بقدرته على تقديم الخدمات للمشروع الصهيو أمريكي، والا تحول الى عبء على رعاته الغربيين"!
ويتفق الباحث في الشؤون الاستراتيجية الدكتور علي حمية مع رأي محمد هزيمة قائلاً: "إن الاستهداف بعشرات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة بدقة عالية منشآت أرامكو في أبها ونجران وجيزان، والمدينة الاقتصادية وقاعدة خميس مشيط العسكرية، يعكس انتقال المعركة إلى مستوى استراتيجي أعمق..." وهذا ما يؤكده خبراء ومحللون آخرون بأن سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وتحكمهم بباب المندب سوف يخنق السعودية اقتصادياً، ويمنحهم قدرات جديدة على التأثير في مصير التجارة العالمية، وفي المعادلات العسكرية الجارية في المنطقة ولصالحهم وصالح المحور الإيراني بشكل عام.
3- يقول الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية مجيب شمسان "ان النجاحات الأخيرة للحوثيين والتي تمثلت في تحرير ست مديريات في الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب، جرى فيها طرد تحشيدات التحالف السعودي والاسرائيلي والامريكي والبريطاني، وذلك للاستيلاء على ميناء الحديدة ومن ثم الزحف نحو صنعاء، وهذا ما بشر به السعوديون ومرتزقتهم صراحة، فطرد هذه الحشود واسر بعضها وهروب الآخرين أو قتلهم ، برد بل واسقط هذا المخطط وافشل مؤامرات السعودية ومرتزقتها، ومؤامرات امريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني، وانقلبت المعادلة كما هو واضح لصالح الحوثيين. وتختصر أحد وسائل الاعلام المشهد بالقول "المفارقة الاشد قسوة على السعودية ان الحرب التي أرادت من خلالها إخضاع صنعاء انتهت إلى إنتاج قوة يمنية تفرض اليوم حصاراً على السعودية عند باب المندب، وتضرب منشآت أرامكو السعودية، الأمر الذي جعل السعودية تطلب الحماية من الخارج ..." واضافت وسائل الاعلام تلك قائلة "باب المندب اليوم تحول الى ورقة سيادة وردع وضغط اقتصادي في يد صنعاء.. السعودية تدفع الكلفة مباشرة من أمن صادراتها ومرافقها النفطية...".
4- خرجت الحوثيين أو كشفت التطورات الاخيرة ان حركتهم كما اشرنا سابقاً أنها أقوى عسكريا واكثر دقة في الاصابات وفي تحديد الاهداف عند الخصوم، مما كان يعتقده السعوديون ولذلك المعركة معهم معركة استنزاف وإنهاك للطرف المهاجم وهو السعودية، وهو ما تعاني منه الآن بشهادة الخبراء العسكريين، ولكن بعد الذي حصل وهو كثير وكثير هل تؤوب القيادة السعودية الى رشدها وتتراجع عن التصعيد!؟ نأمل ذلك، رغم اننا نعتقد أن هذا النظام يصر على نهج أخطائه الكارثية!