منطقتنا على حافة بركان خرجت بعض حممه إلا أن الكثير منها لا يزال يغلي داخل فوهة البركان ولا احد يعلم إن كان "الثوران" قريب أم سيهدأ عندما يصل لذروة الغليان، وها نحن نعيش أجواء سياسية مشابهة لهذه الحالة الطبيعية فرضتها طبيعة الصراع الدائر في المنطقة والسعي لتثبيت النفوذ من قبل هذه الدولة أو تلك، ومن بين الدول المتصارعة لا يمكننا اغفال ما يجري حاليا بين ايران والسعودية من توترات لا تزال في اطار التصريحات المتبادلة بين مسؤولي البلدين بشكل مباشر او غير مباشر.
التوتر كان في السابق موجود لكنه كان محدود ويكاد لا يتعدى بعض التلميحات من هذا الطرف أو ذاك، لكن مع وصول الملك سلمان إلى السلطة في العام 2015 واطلاق يد نجله ولي العهد محمد بن سلمان في قيادة البلاد بدأ المشهد بين الرياض وطهران يتجه نحو "التصعيد" أكثر واكثر على اعتبار أن الأمير الشاب كان يسعى لإعلان نفسه اميرا ومن ثم ملكا للمنطقة بأسرها لكنه غفل عن أن عهد "الامبراطوريات" ذهب إلى غير رجعة، ومع ذلك لا يزال يصر ابن سلمان على تأزيم الأوضاع إلى أقصاها ليس فقط مع ايران وحسب بل مع جميع من يخالف طموحاته، ولكن ولكون ايران والسعودية دولتان اقليميتان لهما تاثير كبير في المنطقة ونظرا لسلوك ابن سلمان العدواني يتساءل البعض هل ستحدث مواجهة عسكرية بين البلدين تزيل الحرب الباردة القائمة حاليا ام سنشهد انفراجا في العلاقة على اعتبار ان ابن سلمان ونظرا لفشل سياسته بدأ يشعر بضغط اكبر خاصة بعد التهم الموجهة إلية في قضية مقتل خاشقجي؟.
ماهي أسباب التوتر بين إيران والسعودية، والتي أوصلت البلدين إلى حالة حرب باردة؟
في الحقيقة هناك ثلاثة أسباب أدت إلى وصول الأمور إلى هذه المرحلة "هناك أسباب سابقة بالطبع لكنها ليست الأساس في الوقت الراهن"، وحاليا يمكن تقسيم أسباب هذا الاحتقان إلى:
أولاً: مستوى داخلي
بعد وصول محمد ابن سلمان إلى ولاية العهد واطلاق يده في جميع ملفات البلاد الداخلية، بدأ الأمير الشاب يبحث عن صناعة مجد لنفسه عبر كسب ود الفئة الشابة من أبناء الشعب السعودي وعلى هذا الاساس بدأ بإطلاق خطط اقتصادية عملاقة شعر من خلالها المواطن السعودي أن جميع مشاكله ستحل في القريب العاجل، وتحدث ابن سلمان عن سعيه للقضاء على الفساد وانه سيمنح المرأة المزيد من الحريات، ولكن كل هذا لم يكن كافيا لتوحيد صفوف السعوديين، لذلك عمد إلى تضخيم الخلاف مع ايران واطلاق تصريحات قوية بهذا الخصوص لتوحيد الشعب ضد عدو مشترك حتى وان كان ذلك وهما لكنه يجدي نفعا من وجهة نظر ابن سلمان.
ولكن النتيجة جاءت ضعيفة نظرا لفشل ولي العهد في تنفيذ أياً من خططه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والانفتاحية ليتبع ذلك بحملات تقشف ويتورط بملفات خارجية معقدة، جعلت احتمالات الحرب مع ايران ضعيفة جدا.
ثانياً: مستوى اقليمي
وجدت السعودية أن ايران وبعد غزو العراق وحتى اللحظة وما تبع ذلك من انتفاضات شعبية في العالم العربي في العام 2011 مرورا بالحرب السورية والتطورات اللبنانية وحرب اليمن وصولا إلى الاتفاق النووي، جعلت ايران قوة اقليمية ذات نفوذ كبير يشكل خطرا على السعودية وعلى مكانتها التي تبحث عنها.
آل سعود تنفسوا الصعداء بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي ووجدوا ان الفرصة مواتية لزيادة الضغط على ايران لإخراجها من المنطقة ومنعها من زيادة نفوذها، وفي نفس الوقت يمكن توسيع النفوذ السعودي على حساب ايران، لكن ما اعتقده محمد بن سلمان ومن خلفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الانسحاب سيغير من استراتيجية ايران ويحد من قوتها لم يحصل، وتمكنت ايران من الحفاظ على استراتيجيتها ومكانتها نظرا لكثرة حلفائها من جهة ورفض الاوربيين الانسحاب من الاتفاق النووي من جهة ثانية وفشل سياسة ابن سلمان الخارجية من ناحية أخرى.
ثالثاً: مستوى دولي
احتمى ولي العهد السعودي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستفيدا من اعلان الأخير عدائه الشديد لايران، وهذا ما اعتقده ابن سلمان فرصة ذهبية يجب استغلالها حتى النخاع، ولكن ما حصل أن ترامب هو من كان يستغل ولي العهد حتى النخاع ويبتزه للحصول على اكبر قدر ممكن من المال، وكان ترامب يتلذذ بتقوية الصراع وتعميق الخلاف بين هاتين الدولتين، ولكننا نعتقد بأن ولي العهد فهم أن ترامب كان يستغله بالمجان، وكيف لا يمكن اعتقاد ذلك واليوم السفارة الأمريكية في السعودية تبث فيديو على حسابها على موقع "تويتر" يسلط الضوء على قوة التظاهر والاحتجاجات السلمية، مؤكدة على ما يمكن أن تحققه الاحتجاجات من تغييرات اجتماعية وسياسية إيجابية. وذكرت السفارة الأميركية في تغريدتها أن الأبحاث تشير إلى أنه في الفترة ما بين عامي 1900 و2006، كانت الاحتجاجات السلمية الخالية من العنف فعالة بأكثر من ضعف فعالية الاحتجاجات العنيفة. وأرفقت السفارة في تغريدتها رابطا لفيلم يحث على الاحتجاج السلمي، وذكر الفيلم أحداثا تاريخية تمكنت خلالها الشعوب من تحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي عن طريق الاحتجاجات السلمية.
اذا ولي العهد خرج من جميع هذه المعادلات خالي الوفاض، وفي الوقت نفسه اجج الصراع مع ايران وأوصله إلى مداه في اطار الحرب الباردة ولكن احتمال بدء حرب مباشرة بين البلدين شبه مستحيل لعدم قدرة المملكة على تحمل النتائج، ربما تتجه الأمور إلى الحل بينهما على شاكلة ما حصل بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية في العام 1962 على خلفية ازمة صواريخ كوبا.