هادي الاحسائي
لم تعد الأمور كما كانت عليه في السابق؛ هذا أقل ما يمكن قوله حول طبيعة العلاقة الجديدة بين سلمان بن عبد العزيز ونجله ، فالملك السعودي منح ولده فرصة ذهبية لم تُعط لأي أمير في تاريخ المملكة في هذا السن، وأصبح المشهد في السعودية بعد وصول ابن سلمان إلى ولاية العهد، وكأن هذا الشاب هو الحاكم الفعلي للمملكة وهو الآمر الناهي فيها وفي القرارات التي تخرج من مؤسساتها الرسمية، وبقي الأمر على هذا النحو حتى الأشهر القليلة الماضية التي تغير فيها المشهد نحو سحب الصلاحيات المعطاة لولي العهد من قبل الملك سلمان مع محاولة إخفاء ذلك قدر المستطاع ومنعه من الوصول إلى وسائل الإعلام؛ لكن أسوار المملكة العالية لم تقدر أن تمنع الفضاء الالكتروني من الوصول إلى ما يجري داخل القصور الملكية، فكيف يبدو المشهد اليوم داخل البلاد؟!
المشهد الحالي في السعودية
وكأن سلمان يمارس انقلاباً صامتاً على نجله ولي العهد ويسحب من بين يديه أهم الملفات الخارجية والداخلية الحساسة والتي أدت ممارسات ابن سلمان الصبيانية فيها إلى دخول البلاد في أتون صراعات داخلية وخارجية وسببت مواقف محرجة للملك سلمان في الكثير من القضايا الدولية التي كانت تمثل خطوطاً حمراء بالنسبة لجميع الملوك الذين مروا على المملكة، ومطالبة أعضاء من مجلس الشورى السعودي بتفعيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، ماهي الا شرارة صغيرة توحي بأن سلطات ابن سلمان تم تقويضها وكأن الأمور تعود إلى سابق عهدها، فولي العهد همش هذه الهيئة والقائمين عليها، فهي تخالف مشاريعه في الانفتاح على العالم وتعارض حزمة الحريات التي وعد الشعب السعودي بها.
تفعيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية جاء على شكل توصية قدمها الأعضاء في مجلس الشورى محمد العجلان، وسلطانة البديوي، وأيوب الجربوع، وطالبوا بممارسة الهيئة اختصاصها ومعالجة المظاهر التي تخل بالآداب العامة للمجتمع، من جهة أخرى اعتبر قانونيون التوصية مضيعة لوقت مجلس الشورى، فيما اعتبرها أعضاء من المجلس محاولة لإعادة العجلة للوراء، والمطالبة بتفعيل ما هو مفعل بالأساس، بحسب صحيفة "عكاظ".
هذا الحدث يظهر بشكل واضح الضياع الذي تمر به البلاد في عهد الملك سلمان بعد الفشل الذريع الذي مني به نجله الشاب في جميع الملفات التي قادها من اقتصاد وعسكر وسياسة، وفيما يلي نذكر لكم أبرز الملفات التي خالف فيها الملك سلمان ولي العهد وعجّل في انقاذ الموقف ووقف المسار الذي تذهب نحوه البلاد وفقاً لرؤى ابن سلمان:
أولاً: طرح "آرامكو" للاكتتاب، مشروع كان يرى فيه محمد بن سلمان محاولة لانقاذ المملكة من الانهيار الاقتصادي من خلال تقليل الاعتماد على النفط والاستثمار خارج الحقل النفطي الذي يعد المصدر الأساسي للدخل في البلاد، لكن هذا التصور لم يكن مرحباً به من قبل الملك السعودي، الذي يعرف أن "أرامكو" تمثل "دجاجة تبيض ذهب للبلاد" ولهذه الشركة اسرارها التي لا يجب ان يعرف بها احد، فطرح اسهم من "أرامكو" للبيع سيكشف الميزانية العمومية للشركة لأول مرة، والذي يُعد في مقام السر الحربي؛ كونه يُعادل ميزانية المملكة، وبالتالي تشكل هذه المؤسسة "بيضة الميزان" بالنسبة للملك الذي اوقف هذا المشروع.
ثانياً: "صفقة القرن"، تشكل هذه الصفقة ضربة قاصمة في العمق التاريخي للمملكة السعودية التي نشأت على تبني قضايا الأمة العربية والاسلامية والدفاع عن حقوقها ولو بشكل "ظاهري"، فكيف إذا ما كان الموضوع متعلق بـ"القضية الفلسطينية".
بكل الأحوال وافق "ابن سلمان" على هذه الصفقة وحاول تمريرها بدعم اماراتي وتحريض من قبل صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر وأملا بتطوير العلاقة مع واشنطن والحصول على أفضل تحالف معها، وصرح ولي العهد تصريحات مثيرة للجدل تتناسب مع هذه الرؤية لكنها لا تتناسب مع (الثوابت) الوطنية لبلاده، وظلت الأمور على هذا النحو حتى نشرت وكالة رويترز تقريرًا ذكرت فيه أن: «الملك سلمان ذكر لرئيس السلطة الفلسطينية، خلال لقاء جمعهما مؤخرًا: لن نتخلى عنكم»، واعدًا بعدم القبول بأي بند من الخطة لا يأخذ موقف الفلسطينيين بالاعتبار.
وبعد أن أغلق الملك السعودي الباب على نجله للمضي قدما في هذين الملفين، عمل على إعادة المياه لمجاريها في العلاقة مع تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، وظهر ذلك من خلال ارسال تهنئه له من قبل الملك وولي العهد بعد فوزه في الانتخابات الماضية وتبع ذلك رسالة أخرى للتهنئة في عيد النصر.
الملك منح ولي العهد صلاحيات واسعة واطلق له العنان لكي يقود البلاد، لكن الملك سلمان لم يكن يتصور ان الأمير الشاب سيغرد خارج السرب إلى هذا الحد، وهذا ما يقود الأمور حاليا نحو حدوث ما تحدثت عنه صحيفة "التايمز" وغيرها بأن أيام ولي العهد باتت معدودة.