يوضح محللو شركة إس آند بي غلوبال إنرجي (S&P Global Energy) أن "الحصار البحري سيكون له تأثير ضخم بسوق النفط الفنزويلي"، حيث ستمتلئ مستودعات النفط الخام بسرعة هائلة من الناحية التقنية، مما يفضي إلى انخفاض حاد في الإنتاج قريباً جداً.
وتصدر فنزويلا حوالي 700 ألف برميل يومياً من النفط الثقيل، وتمثل حوالي 1% من الإنتاج العالمي، لكن نوعيتها الفريدة تجعلها لا غنى عنها لمصاف معينة خاصة في آسيا، ولذا يشير تحليل نشرته منصة ديسكفري ألرت إلى أنه في حالة الحصار البحري والعمليات البحرية المحدودة، قد يشهد خام برنت ارتفاعاً بمعدل 10-20 دولاراً للبرميل فوق مستويات الأساس الحالية.
وإزاء ذلك، فإن حجم التأثير بدول الخليج سيكون معقداً ومتعدد الأبعاد، فالاضطراب المنخفض قد يعود بفوائد اقتصادية مباشرة للمنتجين الخليجيين، من خلال ارتفاع الأسعار، وتحسّن عائدات الصادرات، إلا أن هذه الفوائد قد تكون محدودة الأجل.
وفي هذا الإطار، يشير محللو شركة كبلر، المتخصصة في تتبع الشحنات البحرية، إلى أن الضغط الأميركي الحالي "يسلّط الضوء على إمكانية فتح زيادة إمدادات أكبر طويلة الأمد من احتياطات فنزويلا الضخمة إذا جرى استبدال نظام نيكولاس مادورو"، وهو ما قد يعني تدفقاً هائلاً من النفط الثقيل الرخيص إلى السوق على المدى المتوسط.
وعلى المستوى الفوري، شهدت السوق ارتفاعات محدودة، غير أن أسواق النفط تعاني من فائض عالمي حالي؛ ويقدر البنك الدولي الفائض المضمون بـ 2.7 مليون برميل يومياً في الربع الثالث من 2025، ما يحد من قدرة أي اضطراب فنزويلي منفرد على دفع الأسعار للأعلى بشكل دراماتيكي.
وبخصوص بدائل النفط الفنزويلي بالسوق، يتجه منتجو الخليج للاستفادة من إعادة توجيه الطلب، خاصة أن فنزويلا تصدّر معظم نفطها إلى آسيا، وتحديداً الصين، التي ستضطر للبحث عن بدائل وسط أسعار خصم هائلة، إذ وصل خام ميري الفنزويلي إلى خصم بلغ حوالي 21 دولاراً، حسب بيانات رسمية.
ويعني ذلك أن آسيا ستزيد من اعتمادها على النفط الخليجي والنفط الثقيل الآخر بديلاً، وهو ما قد يدعم الطلب والأسعار للمنتجين الخليجيين على المدى القريب، بحسب تقرير نشرته "كبلر"، غير أن محللي الشركة يحذرون من أن هذا السيناريو قد لا يستمر طويلاً بسبب الإمدادات الوفيرة من النفط الروسي والإيراني المعاقب التي لا تزال تصل إلى الأسواق الآسيوية بأسعار منخفضة.
يؤكد الخبير الاقتصادي، رائد المصري، أن فنزويلا، باعتبارها دولة منتجة للنفط، تعد عنصراً مؤثراً في أسواق الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي تهديد بضربة عسكرية محتملة ضدها ليس مجرد حدث جيوسياسي، بل له تداعيات مباشرة على استقرار إمدادات النفط وثروات الطاقة، موضحاً أن مثل هذا السيناريو يعيد إنتاج التقلبات والاضطرابات في أسواق الطاقة، ما يلقي بعبء مباشر على دول الخليج، باعتبارها العمود الفقري في توازن العرض والطلب النفطي عالمياً.
وفي مواجهة هذا الاحتمال، يرى المصري أنه من الضروري لدول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إعادة ترتيب أولوياتها، واستنفار طاقاتها على مستوى سياسات النفط والطاقة، سواءً عبر التنسيق داخل تحالف "أوبك+"، أو من خلال اتفاقات ثنائية أو جماعية، بهدف صياغة رؤية موحّدة لإدارة الإنتاج بما يتماشى مع تقلبات الطلب العالمي، التي قد تتفاقم إذا تحول التهديد العسكري إلى حرب فعلية تؤدي إلى تعطيل الإمدادات الفنزويلية.
غير أن دول الخليج، وفق المصري، تحاول دوماً الفصل بين قراراتها النفطية والاعتبارات السياسية الخارجية، سواء الأميركية أو الروسية أو الأوروبية، بل تعتمد نهجاً تقنياً يرتكز على مبدأ العرض والطلب في السوق العالمية، وهو ما يمنحها هامشاً من الاستقلالية، ويقلل من تأثّرها المباشر بأي توترات إقليمية أو دولية، ومع ذلك فإن استمرار أي نزاع طويل الأمد قد يؤدي إلى نقص فعلي في الإمدادات، ما يجبر "أوبك+" على اتخاذ قرارات سريعة لتعديل الكميات المعروضة.
في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي، عامر الشوبكي، لـ "العربي الجديد"، أن الخطوات الأخيرة، التي اتخذتها الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب، بفرض حصار بحري شامل على ناقلات النفط المرتبطة بفنزويلا، تعتبر تصعيداً جيوسياسياً يتجاوز العقوبات الاقتصادية التقليدية، ليصل إلى مستوى شبه عسكري، يستهدف شريان الاقتصاد الفنزويلي الحيوي، خاصة بعدما احتجزت السلطات الأميركية، خلال أيام قليلة، ثلاث ناقلات نفط في مياه الكاريبي والمحيط الأطلسي، كان منها ناقلة تحمل نحو 1.8 مليون برميل من الخام الفنزويلي المتجه إلى الصين.
ويوضح الشوبكي أن هذه الإجراءات لا تكتفي بمنع التصدير فحسب، بل تتعداه إلى مصادرة النفط نفسه، ما يشكل ضغطاً غير مسبوق على الحكومة في كراكاس التي تعتمد على صادرات النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات، ورغم أن هذا التصعيد أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، بنحو ثلاثة دولارات للبرميل، أو ما يعادل 1.5%، فإن الأسعار لم تصل بعد إلى مستويات قياسية، بفعل توقعات السوق بوجود طاقة إنتاجية فائضة لدى دول أخرى يمكن أن تعوّض أي نقص جزئي.
وهنا يلفت الشوبكي إلى أن التقديرات تشير إلى أن تعطيل الإنتاج الفنزويلي بالكامل لن يُفقد السوق أكثر من 1% من المعروض العالمي، خاصة أن فنزويلا لم تعد تنتج سوى كميات محدودة بسبب أزمتها الداخلية، بالرغم من امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.
غير أن التأثير الأعمق قد لا يقتصر على فنزويلا وحدها، حسب الشوبكي، فمصادرة السفن التي تشكل جزءاً مما يعرف بـ"الأسطول الظلي"، الذي تستخدمه أيضاً روسيا وإيران لتجاوز العقوبات، يمكن أن يطاول هاتين الدولتين، خاصة روسيا التي تصدر نحو 7 ملايين برميل يومياً. ولهذا، ترتفع "علاوة المخاطر الجيوسياسية" في أسواق النفط، ما يدفع المستثمرين إلى التحوط، ويدعم الأسعار حتى في غياب انقطاع فعلي كبير.
ويتوقع الشوبكي أن تختلف تداعيات هذا السيناريو بحسب الزمن: فعلى المدى القصير، تشكل هذه التوترات فرصة لدول الخليج لتعزيز إيراداتها النفطية وتوسيع حصصها السوقية، خاصة لدى شركاء كبار مثل الصين التي كانت تعتمد على فنزويلا لنحو 4% من وارداتها.
لكن على المدى المتوسط، إذا تحول الحصار البحري إلى عمليات عسكرية برية أو استهداف منشآت نفطية مباشرة، فقد تشهد الأسواق اضطرابات أوسع، تؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار، ما يهدد التوازن العالمي، حسب تقدير الشوبكي.
وفي هذا السياق، تبرز مخاطر اقتصادية أوسع، فارتفاع أسعار النفط قد يُبطئ الطلب العالمي، ويدفع التضخم إلى الارتفاع في البلدان المستهلكة، ويُعقد مهمة البنوك المركزية التي تسعى إلى خفض أسعار الفائدة لدعم النمو، كما أن استمرار ارتفاع الأسعار لفترة طويلة قد يؤدي إلى تقلبات في أسواق الأسهم، ويُضعف ثقة المستثمرين المحليين والعالميين، حسب الشوبكي.
وإزاء ذلك، يخلص الشوبكي إلى أن الأزمة الفنزويلية تمثل فرصة مؤقتة لمنتجي النفط في الخليج، غير أنها تفرض في الوقت نفسه تحديات سياسية واقتصادية معقدة تتطلب توازناً دقيقاً بين استغلال الظرف واحتواء تداعياته على الاستقرار المالي والنقدي العالمي.