عاجل:
البراغماتية السعودية لا تشمل الالتزام بالقضية الفلسطينية
قالوا وقلنا 2025-11-23 09:38 1811 0

البراغماتية السعودية لا تشمل الالتزام بالقضية الفلسطينية

خلال عامين من عُمر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، شكلت المواقف السعودية محط قراءة وتحليل ربطا بما سبق أحداث 7 أكتوبر

خلال عامين من عُمر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، شكلت المواقف السعودية محط قراءة وتحليل ربطا بما سبق أحداث السابع من أكتوبر من تصريحات علنية وغير علنية تتناول قُرب التطبيع الرسمي السعودي مع الكيان الصهيوني. ولم تلبث الرياض طويلا حتى شنّت حملة ضد حركة حماس متبنية موقفا زاجرا لفعل الطوفان، واتخذت موقفا واضحا وداعما، بل مطالبا بنزع سلاح الحركة.

في ضوء ما ورد، تأتي زيارة محمد بن سلمان الحالية إلى البيت الأبيض في سياق ما يحلو "للسعوديين" أن يربطوه بإحداث تغييرات جوهرية في سياسات الشرق الأوسط .

وللإحاطة بالموقف السعودي إبّان الطوفان وصولاً إلى زيارة ابن سلمان للبيت الأبيض، تستضيف صحيفة "مرآة الجزيرة"  عضو المؤتمر القومي العربي الدكتور "أحمد ويحمان"

في قراءته للتحولات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة بعد "طوفان الأقصى"، استهل الباحث السياسي حديثه مؤكدا على أن عملية السابع من أكتوبر " لم تكن حدثاً عسكرياً محليّاً فحسب، بل شكلت صدمة استراتيجية هزّت قواعد التوازن الإقليمي السابقة".

 

من أبرز التحولات:

 

1-  تآكلُ حاجز القدرات التقليدية (قدرة الردع الإسرائيلية لم تعد كما كان متوقعاً).

 

2-  بروز منطق «التداخل العسكري والسياسي» حيث أصبحت العمليات الميدانية تحدِّد، آليا، سرعة وعمق التحركات الدبلوماسية.

 

3-  تصاعد تكلفة الحرب على إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً، ما دفع بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى إعادة قراءة حساباتهم.

 

وأردف بالقول " أنتجت هذه التغيرات مجتمعة بيئة أكثر سيولة—تلاحقت فيها تحولات سريعة في موازين القوى بين محور المقاومة من جهة، والتحالفات التقليدية والإقليمية من جهة أخرى. ويمكن القول على ضوء هذه الاستنتاجات أن طوفان الأقصى أعاد ضبط معادلات الردع والأولوية، بحيث لم تعد الحرب لعبة منفردة بين جيشين، بل مسرح متعدد الأبعاد السياسة والاقتصاد والدبلوماسية."

 

في إطار متصل، رأى رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع أن انعكاسات "طوفان الأقصى" على الوعي العربي جليّة حيث شهدت تحولاً من ردود فعل وتعاطف رمزي إلى مشاركة فعليّة مؤيدة للمقاومة شاركت بها مختلف طبقات المجتمعات العربية. وأشار إلى أشكال التفاعل التي ترواحت بين التظاهرات، والحملات الإعلامية.

 

أما على المستوى السياسي، لفت إلى وجود "تحرّك اضطراري لدى بعض العواصم لإعادة ترتيب مواقفها العامة تجاه فلسطين خشية التجاذب الشعبي والارتدادات الأمنية".

 

أما موقع القضية، بحسب عضو المؤتمر القومي  فارتفع درجتين: لم تعد قضية «قومية/رمزية» فحسب، بل أصبحت معياراً لقياس مواقف الأنظمة وشرعيتها أمام شعوبها.  وعليه فطوفان الأقصى أعاد للفلسطينيين مركزيةً شعبية وسياسية، وأجبر أطرافاً إقليمية على إعادة النظر في خلاصاتها السياسية.

 

وفي تقييمه لمُخرجات المعركة، رأى الدكتور أحمد ويحمان أن الفرضيات التي سقطت بفعل الطوفان: فرضية «قدرة الردع الإسرائيلية المطلقة»؛ وكذا فرضية أن الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية كفيلة بإطفاء جذوة المقاومة؛ ثم فرضية تهميش البُعد الشعبي للقضية على مدى طويل.

 

أما الحقائق التي تكشّفت فمنها أن المقاومة الفلسطينية قادرة على تغيير وتيرة الصراع، وأن تكاليف حربية باهظة تُلقي بضغوط على الداخل الإسرائيلي، وكذا ظهور ممرات تأثير إقليمية جديدة (من اليمن إلى لبنان إلى بعض دوائر داخل الدول العربية) تجعل المعادلة أشد تعقيداً.  وبالتالي فإن طوفان الأقصى أسقط تماما أوهام الحسم العسكري المعزول، وظهرت حقيقة أن المعركة الآن ذات بعد إقليمي متعدد الأوجه.

 

إلى ذلك، أكد الباحث في علم الاجتماع السياسي  أن المنطقة دخلت مرحلة "ما بعد الردع التقليدي". الأمر الذي يعني أن الرادع لم يعد مجرد ميزان قوة عسكري تقليدي، بل مزيج من عوامل: قدرة الاحتواء السياسي، مرونة اللوجستيات، قدرة الاقتصاد على الصمود، شرعية داخلية، وشبكات تحالفات سريعة التشكّل.

 

وأضاف "الأمن الإقليمي اليوم يُعاد تعريفه كشبكة ديناميكية من قدرات متعددة (عسكرية ــ سيبرية ــ اقتصادية ــ سياسية ــ مجتمعية) بدلاً من حصرية امتلاك ترسانة عسكرية متفوقة. ما يعني أن الأمن الإقليمي صار مسألة منظومات متشابكة قابلة للانقضاض والاختراق من غير القوى التقليدية فحسب.

 

بما يتعلق بالموقف السعودي من أحداث السابع من أكتوبر اعتبر عضو المؤتمر القومي العربي في حديثه لـ"مرآة الجزيرة" أـن الخط الرسمي السعودي، في الظاهر، يميل إلى براغماتية مُعلنة ربطا بمواقفه التي تؤكد على «الحل السياسي» و«ضرورة حفظ الاستقرار الإقليمي»، إلى جانب بيانات تضامن رمزية.

 

ولفت إلى أنه "مع تزايد الضغط الشعبي والإقليمي بعد طوفان الأقصى، شهدت المواقف الرسمية بعض التكيّف في الخطاب (نبرة أكثر تحفظاً تجاه إسرائيل وإشارات دعم إنساني للفلسطينيين) لكن دون تخلي جذري عن حسابات المصالح الاستراتيجية والاقتصادية". وخلُص قائلا "الموقف متحَوّل لكن محسوب. وعليه فموقف الرياض، في الظاهر، تكتيكي متغيّر تحت ضغوط داخلية وإقليمية، لكنه لا يزال مرهونًا بموازين قوى ومصالح كبرى. وفي كل الأحوال، فهو لا يمكنه، في النهاية، أن يخرج من تحت عباءة الأمريكان" .

 

وفي تطرقه إلى ملف التطبيع الرسمي بين الرياض وتل أبيب، أكد الباحث أن الأمر لا يبدو مستبعداً بتاتاً (المصلحة والضمانات الاقتصادية والأمنية قائمة)، لكن طوفان الأقصى رفع كلفة المسار، فبحسب ويحمان " إن أي خيار تطبيعي بات يتطلب إدارة داخلية وخارجية أدق، وربما ترتيبات مسبقة لمعالجة الأثر الشعبي والإقليمي. ما يدلّ عملياً إلى أن الطاولة ما زالت موجودة، لكن الأوراق رمزياً وعلى مستوى الأولويات تغيّرت.  وفي كل الأحوال، التطبيع ليس مُلغى لكن أصبح أكثر تعقيدًا ومكلفا سياسيا".

 

وعن سياسة الرياض البراغماتية مع الملفات الإقليمية رأى الباحث أن البراغماتية قد تقود إلى تعاطف عملي أو دعم إنساني وسياسي في حال انعكس ذلك على مصالح الرياض — لكن من وجهة نظر المفكر العربي فإن تحوّل البراغماتية إلى التزام واضح ومستديم يتطلّب: تغيير موازين داخلية (الشرعية والضغط الشعبي)، ضمانات دولية، وإعادة تعريف المصلحة السعودية بعيدا عن تنازلات كبرى في ملفات أخرى.

 

باختصار، ووفقا للباحث، إن تحوّل البراغماتية السعودية إلى التزام واضح تجاه القضية الفلسطينية ممكنة بشروط، غير مضمونة.  وعليه فيمكن القول بهذا الصدد أن بوابةُ التحول مفتوحة بشروط سياسية وشعبية واقتصادية. لكن الأبقى في السياسة السعودية هو التبعية للغرب والأمريكان بالتحديد.

 

أما على المستوى الشعبي السعودي، والتباين الظاهر لناحية الموقف من التطبيع اعتبر عضو المؤتمر القومي العربي أنه " كما في كل الساحات العربية تقريبا، فالتباين واضح، بحيث أن الرأي الشعبي يميل للتعاطف القوي مع القضية الفلسطينية، والاعتراض على التطبيع، بينما القيادة تُوازن بين مصالح استراتيجية داخلية وخارجية". وأضاف "هذا التباين يولّد ضغطًا سياسيًا فعلِيًا — إما عبر التعبئة الشعبية أو عبر استنزاف شرعية أي خطوة تطبيعية غير مهيأة داخلياً". مؤكدا أن "الضغط موجود ويمكن أن يكون عامل ضبط مهم. الكرسي وضمان الاستمرار عليه هو الرهان الشخصي للحاكم، ويُمارس التباين ضغطًا حقيقيًا على صنع القرار، وقد يُبطئ أو يعيد توجيه خطط التطبيع".

 

إلى ذلك، لم يستبعد الدكتور أحمد ويحمان ما كشفته صنعاء عن الخلية التجسسية ودور السعودية التآمري بالتعاون مع الكيان وأميركا وقال أنه أمر "غير مستبعد باستحضار السوابق، وربطا بالانحياز للطروحات والمواقف الأمريكية، وتقاطع المصالح بين الحاكمين في "السعودية" وكل من الأمريكان والصهاينة ".

 

وأكد أن "مثل هذه الانكشافات تزيد الشكوك وتؤثر على مصداقية المواقف السعودية بين الجمهور العربي الحذر".

 

ورأى ويحمان أنه "إذا ثبتت المعلومات فستعطل كثيرًا من الأوراق السعودية. وقد تكون لها تبعات في المستقبل، داخل "السعودية" وعلى مستوى مكانة السلطة في أرض الحرمين ومصداقيتها في الأمة" .

 

في سياق منفصل، عرّج الباحث على زيارة محمد ابن سلمان إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب متناولا الدوافع:

 

هناك إعادة تأكيد الشراكة الاقتصادية والأمنية بعد سنوات من الشدّ والجذب (بما في ذلك صفقات استثمارية ودفاعية).

 

ضمان دعم سياسي وأمني في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة

 

تحسين صورة الرياض على الساحة الدولية، لاسيما بعد إسقاط قضية خاشقجي.

 

مناقشة ترتيبات إقليمية مشتركة بشأن ملفات الطاقة والأمن والتكنولوجيا.

 

هذا وأكد الدكتور أحمد ويحمان في حديثه لـ"مرآة الجزيرة" أن الزيارة ليست مصادفة وتوقيتها مرتبط بتداعيات طوفان الأقصى والحاجة لاحتواء انعكاساته. الزيارة تحمل طابع إعادة ترتيب وتحالفات ومصالح استراتيجية متبادلة. وتدخل في الاستراتيجية العامة للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي إطار أعم في حسابات صراعاتها ورهاناتها وحساباتها في الشرق الأقصى مع كل من روسيا والصين"

 

وعن الملفات الأكثر حضوراً على طاولة الرياض-واشنطن فنّدها بالتالي " الأمن الإقليمي (إيران ومحور المقاومة)، التحالفات الدفاعية وبيع أسلحة متقدمة، قضايا الطاقة والاستثمارات الكبرى، إغراءات اقتصادية (استثمارات بالمليارات)، بالإضافة إلى البحث في سبل إدارة الملف الفلسطيني في ضوء التطورات الإقليمية. وأحد أهم الملفات يتمثل في تحييد "السعودية" في " الحرب الطاحنة " بين أميركا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى (حسابات البريكس ومشروع اوراسيا وطريق الحرير).

 

ولفت إلى أن الزيارة تحمل علامة «تطبيع وظيفي» لإعادة البناء السياسي والعسكري والاقتصادي للعلاقة بعد سنوات من التوتر. والهدف هو إظهار استقرار التحالف وإعادة صياغة قواعد التعاون التي تلائم المرحلة الجديدة، وضمان استمرار "السعودية" في الخضوع للنفوذ الأمريكي .

 

هذا وأشار رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع إلى الرسائل الرمزية والسياسية التي تحملها الزيارة بالقول " الرسائل الرمزية تشير إلى «تطبيع الثقة» بين الرياض وواشنطن، وأن عُمق المصالح المشتركة تفوق الحساسية الأخلاقية حول ملفات حقوق الإنسان أو ملفات أخرى. أما سياسياً، فالزيارة تعكس خطوة لتطمين الحلفاء والدوائر الاستثمارية، لكنها أيضاً تطرح تساؤلات حول مصير الضغوط الشعبية العربية تجاه أي ترتيبات تطبيع تُنظر إليها كخيانة للقضية الفلسطينية".

 

وختم الدكتور احمد ويحمان عضو المؤتمر القومي العربي حديثه بالقول "إن إعادة تطبيع العلاقة مع واشنطن تُعزز موقف الرياض في الخليج، وقد تُعيد تشكيل تحالفات أوسع وتمنح "السعودية" هامشًا أكبر في مواجهة بعض الخصوم الإقليميين. بالمقابل، دول مجاورة قد تشعر بضغط للتماشي أو إعادة ضبط مواقفها، ما يخلق ديناميكيات جديدة داخل المجلس الخليجي وعلى مستوى العلاقات مع إيران وقطر. ومجمل القول هنا يتمثل في كون الزيارة استراتيجية تحمل تنسيقاً اقتصادياً-أمنياً عميقاً، وقد تُعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي، لكن أثرها النهائي سيُقاس بمدى قدرة الأطراف على إدماج الضغوط الشعبية والإقليمية في سياساتها."
 

آخر الاخبار