وتوضح هذه البيانات أن الحصيلة الحالية قد تجاوزت بالفعل أعلى سقف تم تسجيله في السابق، وهو الذي شُهد في عام 2024 بوقع 345 إعداماً، مما يشير إلى تصاعد وتيرة الأحكام بشكل غير مسبوق. وتلفت المنظمة النظر إلى أن هذه الأرقام تأتي لتناقض الوعود الرسمية؛ ففي أبريل من عام 2018، وبُعيد نحو عام من إحكام سيطرته على مقاليد السلطة، كان محمد بن سلمان قد أعلن في حواره الشهير مع "مجلة تايم" عن نيته الصريحة في تقليص أحكام الإعدام إلى أدنى مستوياتها، مؤكداً حينها أن العمل جارٍ على تغيير الأنظمة القانونية لاستبدال الإعدام بالسجن المؤبد في عدد واسع من القضايا، ومشدداً على أن "السعودية" ستحُد من هذه العقوبة بشكل كبير جداً، إلا أن الواقع المرصود في 2025 يثبت اتساعاً مطرداً في تطبيق القتل بدلاً من تقييده.
وتسلط المنظمة الضوء في تقريرها على جانب شديد القتامة يتمثل في العودة الصريحة إلى إعدام القاصرين، حيث وثقت تنفيذ أحكام القتل بحق كل من جلال لبّاد وعبد الله الدرّازي، وذلك على الرغم من كثافة الدعوات الدولية والمناشدات الحقوقية التي طالبت بوقف هذه الأحكام الجائرة. وتذكّر المنظمة بأن آخر إعدام موثق لشخص واجه تهماً تعود لفترة طفولته كان قد سُجل في عام 2021 وطال حينها الشاب مصطفى الدرويش، مما يجعل تنفيذ الأحكام في 2025 تراجعاً حقوقياً حاداً. وفي سياق متصل، تستعرض المنظمة مسار الترويج للإصلاحات التشريعية، حيث أعلن ولي العهد في فبراير 2021 عن حزمة من التنظيمات القانونية الجديدة، والتي كان من أبرزها مشروع النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، بهدف الحد من التقديرات الفردية للقضاة في إصدار الأحكام وتعزيز القدرة على التنبؤ بها، إلا أن البيانات الإحصائية تشير بوضوح إلى توسع واسع النطاق في استخدام عقوبة القتل التعزيرية بدلاً من حصرها وتقييدها كما تم الوعد به.
وتكشف الإحصاءات الواردة في التقرير أن ما نسبته79% من مجموع الإعدامات قد نُفذت بحق أشخاص أُدينوا بجرائم لا يمكن تصنيفها ضمن "أشد الجرائم خطورة" وفقاً للمعايير والقوانين الدولية المعمول بها، حيث شكلت جرائم المخدرات غير المميتة النسبة الأكبر من هذه الحالات، إلى جانب أحكام مرتبطة بتهم ذات خلفية سياسية. وتفند المنظمة ما ورد في مقابلة مع محمد بن سلمان مع صحيفة "ذا أتلانتيك" في 3 مارس 2022، حين صرح بأن عقوبة الإعدام باتت مقتصرة فعلياً على حالات القتل التي يعود فيها القرار لعائلة الضحية بين القصاص أو العفو، حيث يظهر الواقع الإحصائي تكذيباً لهذا التصريح؛ إذ شكلت قضايا المخدرات وحدها نسبة 69% من مجموع الإعدامات المنفذة، وهو ما يعادل 238 حكم إعدام، مقارنة بـ 222 إعداماً في عام 2024، مما يمثل توسعاً خطيراً يضرب بجذور الالتزامات المعلنة.
وترصد المنظمة كذلك تصاعداً في استهداف الرعايا الأجانب، الذين بلغت نسبتهم 57% من إجمالي المُعدمين بواقع 202 شخصاً، وُجهت إلى 94% منهم تهم تتعلق بجرائم مخدرات غير مميتة، وسط معلومات مؤكدة عن انتهاكات جسيمة شابت مراحل المحاكمات، ما يثير مخاوف عميقة بشأن التمييز وغياب ضمانات العدالة. وتضيف المنظمة أن عام 2025 شهد قفزة غير مسبوقة في الإعدامات المرتبطة بمادة "الحشيش" تحديداً، حيث تم تنفيذ 97 حكماً بتهم تتعلق بهذه المادة وحدها، مقارنة بـ 15 حالة فقط في عام 2024، وهو ما يعد تصعيداً نوعياً في توسيع نطاق الجرائم المعاقب عليها بالقتل.
وختمت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريرها بالتأكيد على أن هذه الأرقام المرصودة قد لا تعكس الحجم الحقيقي والكامل لعمليات الإعدام، وذلك بسبب انعدام الشفافية الرسمية واحتمالية تنفيذ أحكام بشكل سري وغير معلن، في ظل ممارسات قاسية تبدأ من التعذيب لانتزاع الاعترافات وصولاً إلى حرمان العائلات من حقها الإنساني في الوداع الأخير أو استلام الجثامين لدفنها. وتعتبر المنظمة أن كسر "السعودية" لرقمها التاريخي في الإعدامات لا يمثل مجرد أرقام، بل هو إعلان عن انهيار خطاب الإصلاح الحقوقي، وتأكيد على استمرار نهج القتل كعقوبة تستهدف الفئات الأشد ضعفاً، في تناقض بنيوي وصارخ مع كل التصريحات والالتزامات التي سُوقت للمجتمع الدولي على مدى السنوات الماضية.