عاجل:
العلاقات السعودية- المصرية: إبتزاز عمّقه السابع من أكتوبر
الحرب الايرانية الامريكية 2025-08-26 09:08 1210 0

العلاقات السعودية- المصرية: إبتزاز عمّقه السابع من أكتوبر

أتت زيارة السيسي إلى "نيوم" ولقائه ابن سلمان في وقت يجري فيه الحديث عن خلاف يعتري العلاقات بين الجانبين نتيجة عدد من الملفات

أتت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى "نيوم" السعودية ولقائه محمد بن سلمان في وقت يجري فيه الحديث عن خلاف يعتري العلاقات بين الجانبين نتيجة عدد من الملفات.

شهد الدعم الاقتصادي السعودي لمصر تحولات عميقة عكست تشددًا واضحًا في نهج الرياض تجاه القاهرة، إذ انتقلت من سياسة المساعدات المباشرة غير المشروطة التي شكّلت طوق نجاة لمصر في أزمات سابقة، إلى اعتماد أسلوب قائم على الاستثمارات المشروطة والسعي لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية والسيطرة على الأصول الاستراتيجية. ففي عام 2022، أودعت "السعودية" نحو 5 مليارات دولار كودائع قصيرة الأجل في البنك المركزي المصري، إلى جانب 5.3 مليارات دولار كودائع متوسطة وطويلة الأجل، لكنها أبقت هذه الأموال في إطار ودائع قابلة للسحب بدلًا من تحويلها لدعم حقيقي للاقتصاد المصري. وفي الوقت نفسه، أعلنت الرياض عبر صندوق الاستثمارات العامة عن ضخ 5 مليارات دولار كمرحلة أولى، ثم الترويج لصفقات تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار في قطاعات حيوية، بينما التنفيذ الفعلي لا يزال بطيئًا ويخضع لمساومات على أسعار الأصول المصرية. ورغم أن إجمالي الاستثمارات السعودية ارتفع من أكثر من 32 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 34 مليار دولار في 2025، فإن الجزء الأكبر يتركز في شراء حصص بشركات استراتيجية، ما يثير مخاوف من فقدان القاهرة السيطرة على قطاعات سيادية. وعلى صعيد التجارة، بلغ التبادل 20.4  مليار دولار في 2022 قبل أن يتراجع إلى نحو 13  مليار دولار في 2023، في مؤشر على أن الشراكة لم تترجم إلى دعم فعلي لمصر في أزمتها. هذه التحولات تكشف أن الرياض باتت تتعامل مع القاهرة بعقلية المستثمر الباحث عن الربح السريع، لا كشريك استراتيجي يراعي الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر، ما يضع العلاقات بين البلدين أمام اختبار حقيقي.

وتحت شعار “الاستثمار”، إنبرت ممالك الخليج إلى شراء مساحات شاسعة في الأراضي الممصرية، أراضي تتمتع بميزات سياحية كبيرة، تفقد مصر أوراق القوة في اقتصادها. حيث أعلنت مصر رسميا، خلال فبراير 2024، بيع مدينة رأس الحكمة الساحلية شمالي البلاد إلى الإمارات مقابل 35 مليار دولار، تدفع على مدار شهرين.

على أن الضغوط لم تقتصر على تجميد الاستثمارات، إنّما شملت أيضاً فرض المواقف السياسية على القاهرة، وخصوصاً في ما يتعلق بالمقاومة في غزة و"حزب الله" في لبنان. إذ دأبت الرياض على اعتماد سياستين متوازيتين، واحدة علنية غير حقيقية، وثانية سرّية حقيقية. ففي موضوع فلسطين، مثلاً، تضع شعاراً كبيراً هو "حل الدولتين"، مع علمها علم اليقين بأنَّ تحقيقه غير ممكن إلا عبر ممارسة ضغط حقيقي على الولايات المتحدة، باستخدام الأدوات الاقتصادية.

في المقابل ترفض مصر أي خطة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين إلى سيناء معتبرة ذلك تهديدًا للأمن القومي، بينما اكتفت "السعودية" بمواقف دبلوماسية عامة تطالب بوقف إطلاق النار دون اعتراض واضح على السيناريوهات المطروحة، ما أثار القلق المصري بشأن التزام الرياض بالدور التقليدي لمصر في الوساطة.

هذا وبرز الخلاف حول مسار التطبيع مع "إسرائيل"، إذ كانت "السعودية" على مشارف توقيع اتفاق مع واشنطن وتل أبيب قبل طوفان الأقصى، إلا أن الأحداث قلبت المعادلة. الرياض جمدت المباحثات، ولو رسميًا، لكنها لم تتبنَّ موقفًا صارمًا ضد التطبيع مستقبلاً، في حين اعتبرت القاهرة أن أي ترتيب جديد يجب أن يمر عبرها، خشية أن تقلل السعودية من دور مصر كوسيط رئيسي في الملف الفلسطيني وتضعف مكانتها الإقليمية.

أما في لبنان، فتتضح الخلافات في نظرة كل طرف إلى النفوذ الإيراني وحزب الله.  تخوض "السعودية" حرباً سياسية وإعلامية  الغرض منها "تقليص دور الحزب في السياسة اللبنانية حتى ولو وصل الأمر إلى نشوب حرب أهلية، بحسب ما سربت مصادر نقلا عن المندوب السامي السعودي يزيد بن فرحان، بالتوازي مع دعمها  للأحزاب الداخلية المناوئة للحزب.

يأتي ذلك، في وقت تميل مصر إلى تبني سياسة أكثر مرونة تقوم على الحوار مع مختلف الأطراف، تجنبًا لتفجير الساحة اللبنانية وانعكاساتها على استقرار المنطقة. هذا التباين في السياسات يعكس اختلاف أولويات البلدين: فالقاهرة تركز على الاستقرار ومنع الفوضى التي قد تؤثر على أمنها الإقليمي، في حين تنظر الرياض إلى لبنان كجزء من صراعها الأوسع مع إيران.

تتجاوز هذه الخلافات كونها تباينات ظرفية لتكشف عن اختلافات جوهرية في التصور الاستراتيجي لكل من القاهرة والرياض. فمصر، المثقلة بالتحديات الاقتصادية والهاجسة باستقرار حدودها، تركز على منع تفجر أزمات جديدة قد تهدد أمنها الداخلي.

في حين أثبت محمد بن سلمان تبنيه نهجاً يعمق من حالة الارتهان العربي له، والتوقف عن تقديم الدعم دون مقابل سياسي واضح.
 

آخر الاخبار