من بين آلاف معتقلي الرأي المسجونين في معتقلات "النظام السعودي"، تتلطّى "السعودية" خلف مبادرات متفرّقة تقوم فيها بتخفيف الحكم عن بعض من مُعتقليها ممن حظيت قضاياهم بانتشارٍ واسع في المجتمعات الغربية وبين المنظمات الحكومية.
ووفقاً لمنظمات حقوقية، قررت "السعودية" تخفيف الحكم الصادر بحق المعتقلة سلمى الشهاب. ووفقا للمنظمات فإن القرار صادر عن محكمة سعوديّة ويقضي بتخفيض عقوبة السجن بحقّ معتقلة الرأي من 27 عام إلى أربع سنوات، مع تعليق أربع سنوات إضافيّة.
المنظمات التي أصدرت بياناً مشتركاً هي: القسط لحقوق الإنسان، مركز الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في السعوديّة، فريدوم هاوس، مجموعة منَا لحقوق الإنسان ومشجّعو نادي نيوكاسل يونايتد ضدّ تحسين السمعة بالرياضة، ذكرت في بيانهم "نتوقع الإفراج عن شهاب في الأيام القليلة القادمة".
ونوّهت المنظمات إلى أن اعتقال الشهاب في مارس 2022 كان "خطأ جسيما في تطبيق العدالة في قضيّة حظيت باهتمام وإدانة عالميّين، وسط حملة القمع الشاملة ضدّ المعارضة السلميّة وحرّيّة التعبير في السعوديّة".
اعتُقلت الشهاب البالغة من العمر 36 عامًا، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة وأم لطفلين، في 15 يناير 2021، أثناء إجازة عائليّة في السعوديّة. كما وخضعت لما يقرب من 10 أشهر من الحبس الانفرادي والاستجواب المطوّل قبل مثولها أمام المحكمة الجزائيّة المتخصّصة، وهي هيئة قضائيّة تستخدمها السلطات بشكل روتيني لقمع المعارضة وتكميم أفواه النشطاء. إلى جانب ذلك، أُدينت الشهاب وحُكم عليها لمجرّد متابعتها المعارضين والناشطين الحقوقيّين وإعادة نشر تغريداتهم على منصّة X .
وقد حُكم على الشهاب في البداية في مارس 2022 بالسجن لمدّة ست سنوات، ثم ازدادت مدّة عقوبتها بشكل كبير في أغسطس 2022 إلى 34 عامًا عند الاستئناف. كما وأنّ الحكم المفروض عليها يُعدُّ من أطول الأحكام التي فُرضت على ناشط سلمي لممارسته حقّه في حرّيّة التعبير. وفي يناير 2023، خُفّضت عقوبتها إلى حدّ ما إلى 27 عامًا، لكنها ظلت رمزًا للطبيعة التعسّفيّة وغير العادلة للنظام القضائي السعودي.
وأشارت المنظمات إلى أنه "طرأت مستجدّات في قضيّة الشهاب، حيث أدينت مرّة جديدة في سبتمبر 2024. إلّا أنّه قد حُكم عليها هذه المرّة بالسجن أربع سنوات، مع تعليق أربع سنوات أخرى، بعد مثولها أمام المحكمة. وبدوره، يؤكّد هذا التناقض الهائل بين الأحكام الصّادرة في مراحل مختلفة من القضيّة على الحاجة إلى الإصلاح الشامل للنظام القضائي السعودي لضمان المحاكمات العادلة وإصدار أحكام متّسقة وحماية حقوق الإنسان".
وأعربت المنظمات عن "قلق عميق إزاء المحنة الطويلة التي عانت منها وبسب انتهاك حقوقها. ففي السجن، تدهورت صحّتها، وسبق لها الإضراب عن الطعام احتجاجًا على سجنها الجائر. كما أدّى سجنها إلى فصلها عن أطفالها الصغار وعرقلة مسيرتها الأكاديميّة"
خُتمَ البيان المشترك وبتكرار المنظمات "دعوتنا للإفراج الفوري وغير المشروط عن الشهاب ونحثّ السلطات السعوديّة على إعادة حقوقها الأساسيّة لها، والتي تشمل الحقّ في السفر بحرّيّة وإنهاء دراستها، وتعويضها عن اعتقالها غير المشروع".
حريات منقوصة:
في حين تستكمل البلاد تطبيق عشوائية أحكام الإعدام نفسها، تحاول على الجهة المقابلة التخفيف من عبء الانتقادات الدولية التي تتلقاها عن مظالم معتقلاتها، فقامت خلال الشهر الجاري، بالإفراج المشروط عن المٌعتقلَين محمد القحطاني وعيسى النخيفي، بعد سنوات من السجن، وأكثر من عامين من التأخير منذ الانتهاء من أحكام السجن.
ويعاني من يُفرج عنه بشروط من عقبات عديدة تستكمل سلب حريته، لا سيما حظر السفر الذي يمنعهم من مغادرة البلاد، وهي عقوبات عادةً ما يتم فرضها مسبقًا كجزء من عقوبتهم القضائيّة، وعادةً ما يكون لنفس المدّة الإضافيّة مثل مدّة السجن نفسها.
كما تفرض السلطات حظر سفر "غير رسمي" دون أي إخطار أو مبرر قانوني، مثل حكم قضائي أو قرار رسمي، وتفرض بشكل متزايد حظر سفر تعسفي على أفراد أسر النشطاء.
مطالبات بالإفراج عن شهاب:
سبق أن تعرضت "السعودية" لانتقادات عديدة إثر اعتقالها التعسفي لطالبة الدكتوراه شهاب، منظمةThe Freedom Initiative ، أكّدت أنّ الشهاب “لم ترتكب أيّ جريمة".
وكانت المنظمة الدولية البريطانية ضدّ تجارة الأسلحة، حثت بدورها السُلطات السعودية على اتخاذ إجراء فوري بحق الشهاب.
من جانبهم، أطلقت كلا من "القسط” و”منّا” لحقوق الإنسان عريضة للمطالبة بالإفراج عن الأكاديمية التي لم ترَ أطفالها منذ احتجازها.
كما بعث حساب مشجّعي نادي “نيوكاسل يونايتد” لكُرة القدم، برسالة تضامُن إلى سلمى وعائلتها.
وسبق أن قالت ديانا سمعان، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالنيابة في منظمة العفو الدولية:” إنه لأمر مشين أن سلمى الشهاب، وهي طالبة دكتوراه وأم لطفلين من الأقلية الشيعية في السعودية، قد صدرت بحقها مثل هذه العقوبة القاسية وغير القانونية لمجرد استخدامها تويتر، وإعادة تغريد تغريدات نشطاء يؤيدون حقوق المرأة".
وتابعت: “يجب على السعودية وضع حد لحملتها القمعية التي لا هوادة فيها ضد ناشطات حقوق المرأة، وأي شخص آخر يجرؤ على التعبير عن آرائه بحرية. يجب تقدير نشاط النساء مثل سلمى وتوفير الحماية لهن، وليس استهدافهن بسبب تعبيرهن عن آرائهن. ويجب على السلطات أيضًا التوقف عن مساواة حرية التعبير بـ”الإرهاب”. يجب عليها إلغاء أو تعديل نظاميْ مكافحة الإرهاب وجرائم المعلوماتية، اللذين يجرمان المعارضة، وسن قوانين جديدة تتوافق تمامًا مع القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان”.
دعوى مرفوعة ضد النظام السعودي:
في سياق منفصل، قبلت منظمة العمل الدولية شكوى نقابية مقدّمة ضد "السعودية" التي ستستضيف في العام 2034 نهائيات كأس العالم لكرة القدم، كانت مقدمة من المنظمة الدولية لعمال البناء والأخشاب.
وأعلن المدير العام للمنظّمة الدولية لعمّال البناء والأخشاب جيلبير أونغبو، خلال لقاء مع وسائل إعلام أن مجلس إدارة منظمة العمل الدولية قبل الشكوى في تشرين الثاني/نوفمبر.
وشدّد على أنه لا يمكنه التعليق على القضية، لكنّه اعتبر ما أعلنته الرياض أمام منظمة العمل الدولية "بنّاء جدا".
وأوضحت منظمة العمل لوكالة فرانس برس أنّ مجلس إدارتها كلّف لجنة النظر في الشكوى و"الحكومة مطالبة حاليا بتقديم ردّها".
وسترفع اللجنة لاحقا تقريرها إلى مجلس الإدارة لتبنّيه، لكن "في هذه المرحلة لا يمكن إعلان أيّ موعد".
في موازاة ذلك، يعمل خبراء في منظمة العمل مع السعودية على مسألة "العمل اللائق"، وفق أونغبو الذي سيزور الرياض بعد أسبوعين للمشاركة في مؤتمر حول سوق العمل.
وقال أونغبو "أبلغتني السلطات بأنها تريد حقا التعاون مع منظمة العمل الدولية" وبأنّه إذا كانت هناك "ثغرات" ما "فهي مستعدّة لتصحيحها".
وكانت المنظّمة الدولية لعمّال البناء والأخشاب تقدّمت في حزيران/يونيو 2024 بشكوى أمام منظمة العمل الدولية باسم 21 ألف شخص هم ضحايا مفترضون لـ"انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان" ولمصادرة أجور.
وندّدت المنظمة الدولية لعمّال البناء والأخشاب بـ"استغلال ظروف معيشة وعمل اليد العاملة المهاجرة" في السعودية، مشبّهة ظروف هؤلاء بـ"العمل القسري".
استندت شكوى الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب إلى مجموعة من الأدلة، منها عدم تلقي عشرات آلاف العمال أجورهم من شركتي إنشاءات في السعودية أفلستا في عام 2016، وشهادات 193 عاملا وافدا واجهوا انتهاكات عديدة مثل تقييد الحركة، والتخويف والتهديد، والاحتفاظ بوثائق الهوية، وعبودية الديون، وظروف العمل والمعيشة المنتهكة، والعمل الإضافي المفرط. وتتفاقم الأضرار الناجمة عن هذه الانتهاكات نتيجة حرمان العمال من الحق في حرية تكوين الجمعيات والتفاوض الجماعي.
سبق وحذرت منظمة هيومن رايتس ووتش، من الانتهاكات بحق العمال الوافدين في “السعودية”، بعد الشكوى التي قدمها الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب بشأن ظروف العمل والاستغلال لأكثر من 13 مليون عامل وافد.
وشددت على ضرورة النظر إلى الشكوى المقدمة من نقابة عالمية على أنها “ناقوس خطر للشركات والمنظمات، مثل الفيفا، التي تخطط لفعاليات وأحداث ضخمة في السعودية، نظرا إلى تقاعس الحكومة الواضح عن حماية الوافدين من براثن أرباب العمل المستغلين والمنتهكين".