وفي هذا السياق، نقل موقع Aftermath عن محللين في بودكاست "Aftermath Hours" التابع لشركة "Multitude" الأمريكية، قولهم إن "المال السعودي" الذي كان حاضرا بقوة في كل مكان، بدأ ينحسر بشكل مفاجئ، ما يثير مخاوف من "تأثير دومينو" قد يضرب عدة قطاعات.
وبحسب النقاش، فإن الانطباع السائد خلال السنوات الماضية كان أن صندوق الاستثمارات العامة التابع لـ"السعودية" لا يتوقف عن شراء الأصول الكبرى، سواء في الرياضة أو الترفيه أو الألعاب. فقد امتدت هذه الاستثمارات إلى الغولف وكرة القدم والملاكمة والمصارعة، إضافة إلى صناعة الألعاب الإلكترونية، سواء على مستوى الرياضات الإلكترونية (Esports) أو تطوير الألعاب الضخمة. لكن هذا الزخم، وفق المحللين، بدأ يفقد قوته خلال الأشهر الأخيرة.
يرى المشاركون في البودكاست أن أحد أبرز المؤشرات على هذا التراجع هو ما حدث مع دوري LIV للغولف، الذي اعتمد بشكل شبه كامل على التمويل السعودي منذ تأسيسه قبل نحو خمس سنوات. ويُنظر إلى تقليص الدعم لهذا المشروع بوصفه "أكبر ضحية حتى الآن"، وقد يكون بداية لسلسلة من الانسحابات.
ويشير المحللون إلى أن التوسع السعودي لم يكن عشوائيا، بل قام على ركيزتين أساسيتين: الأولى اقتصادية، تتمثل في محاولة تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط عبر استثمار العائدات النفطية في قطاعات عالمية متعددة؛ والثانية سياسية-إعلامية، ترتبط بالسعي إلى تحسين الصورة الدولية عبر ما يُعرف بـ"القوة الناعمة"، من خلال التغلغل في مجالات تحظى بشعبية واسعة مثل الرياضة والألعاب.
غير أن النتائج، بحسب التقييم المطروح في البودكاست، جاءت دون التوقعات. فمثلا، الاستثمار في نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، الذي استحوذت عليه جهات سعودية وسط ضجة كبيرة، لم يحقق الهدف المعلن بتحويله إلى أحد كبار أندية أوروبا. ورغم تحسن أداء الفريق نسبيا، إلا أنه لم يصل إلى مصاف النخبة، ما دفع -وفق النقاش- إلى تراجع الحماس والدعم خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر الماضية.
كما طالت الانتقادات مشاريع كبرى مثل "نيوم"، التي وُصفت بأنها استنزفت مبالغ هائلة في التخطيط والتنفيذ الأولي دون تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن. واعتبر أحد المتحدثين أن جزءا من المشكلة يعود إلى الاستثمار في قطاعات خاسرة بطبيعتها، مثل الأندية الرياضية التي تُعد "مشاريع شغف" أكثر من كونها مصادر ربح، إضافة إلى الرياضات الإلكترونية التي عُرفت تاريخيا بصعوبة تحقيق أرباح مستدامة، وهو ما دفع مستثمرين أمريكيين وشركات كبرى إلى الانسحاب منها سابقا.
وفي السياق ذاته، أشار النقاش إلى أن "السعودية" ضخت أموالا كبيرة في قطاع الألعاب الإلكترونية، رغم أن هذا المجال يعاني أصلا من تقلبات حادة، وتسريحات متكررة، واعتماد كبير على التمويل الخارجي، ما يجعل أي تراجع في الاستثمارات مؤثرا بشكل مباشر وسريع.
القوة الناعمة ترتد وتوقعات بالانهيار:
على مستوى "القوة الناعمة"، يرى المحللون أن الاستراتيجية السعودية لم تحقق أهدافها، بل ربما جاءت بنتائج عكسية. فبدلا من تحسين الصورة، اعتبر كثير من المتابعين أن هذه الاستثمارات تمثل محاولة "مباشرة ومكشوفة" لشراء النفوذ والتأثير، وهو ما أضعف مصداقيتها.
وأوضح أحد المشاركين أن "القوة الناعمة لا يمكن شراؤها"، بل تتشكل تدريجيا وبصورة طبيعية، مضيفا أن دخول "السعودية" إلى قطاعات يحبها الجمهور -مثل كرة القدم أو الألعاب- قوبل أحيانا بالرفض، حيث نُظر إليها كجهة "دخيلة" تحاول السيطرة على هذه المجالات، وليس كشريك داعم لها. وفي هذا السياق، أثيرت مخاوف أيضا من أن تؤدي الاستثمارات في شركات الألعاب الكبرى، مثل الاهتمام المحتمل بشركة EA، إلى سياسات تجارية أكثر تشددا، كرفع الأسعار أو التوسع في المعاملات الدقيقة (Microtransactions).
لكن القلق الأكبر، بحسب ما ورد في البودكاست، لا يتعلق فقط بفشل بعض الاستثمارات، بل باحتمال أن يؤدي تراجع التمويل السعودي إلى انهيار منظومة كاملة. إذ أشار أحد المحللين إلى أن العديد من هذه الصناعات بات يعتمد بشكل كبير على هذه الأموال، خاصة بعد تراجع الاستثمارات الصينية وانسحاب مستثمرين تقليديين.
وقال إن "المال السعودي كان بمثابة الدعامة الأخيرة" التي أبقت بعض هذه القطاعات قائمة، محذرا من أن اختفاءه قد "يقطع أرجل الطاولة"، في إشارة إلى انهيار البنية المالية التي تعتمد عليها. وأضاف أن بعض هذه المشاريع، خاصة في قطاع الألعاب، قد لا تجد أي جهة أخرى قادرة على تمويلها بنفس الحجم، ما يضعها أمام خطر الانكماش أو الإغلاق.
وتعززت هذه المخاوف مع تقارير عن مؤشرات مبكرة على التراجع، من بينها ما ذكرته كات مانينغ، المديرة السردية في شركة Firaxis، التي قالت إنها لاحظت قيام شركة استثمار ألعاب سعودية بإلغاء جميع اجتماعاتها قبل 48 ساعة فقط من مؤتمر GDC، ووصفت ذلك بأنه "مؤشر واضح" على أن الأسواق الأمريكية لم تستوعب بعد حجم التراجع المالي.
كما أشار صحفيون إلى احتمال تعثر صفقات كبرى في قطاع الألعاب، بينها صفقة محتملة مع شركة EA، رغم عدم وجود تأكيد رسمي حتى الآن، ما يعكس حالة من عدم اليقين المتزايد.