في حدث أعادنا بالذاكرة إلى عملية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي على يد بلطجية محمد بن سلمان في القنصلية السعودية في اسطنبول، ليس من ناحية شكل العملية بل من زاوية قابلية النظام السعودي للغدر بمن طبلوا تاريخيا له وعند أول زلّة، من وجهة نظر مشغلهم، يتم طيّ صفحتهم.
في هذا السياق، نفذ النظام السعودي حكم الإعدام بحق الكاتب تركي بن عبدالعزيز بن صالح الجاسر، أول من أمس الجمعة. وفي بيان صادر عن وزارة الداخلية وجّه إلى الجاسر تهما بارتكاب "جريمة الخيانة العظمى من خلال التخابر والتآمر على أمن المملكة مع أشخاص خارجها، إضافة إلى تلقيه مبالغ مالية منهم بغرض تمويل الأنشطة الإرهابية، وتعريض الأمن الداخلي والوحدة الوطنية للخطر وزعزعة أمن المجتمع واستقرار الدولة."
دون أن يقدم النظام السعودي، بطبيعة الحال، أي أدلة تثبت ادعاءاته.
وكانت منظمات حقوقية سعودية ذكرت أن تركي الجاسر اعتقل في العام 2018، بعدما كشف المكتب الإقليمي لموقع "تويتر" في دبي حينها، أنه من يقف خلف حساب "كشكول" المعارض للحكومة السعودية.
وبعد اعتقاله، اختفى الجاسر لنحو عامين ليشاع أنه قُتل تحت التعذيب، إلا أنه هاتف ذويه في العام 2020.
إلى ذلك، أكدت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان في منشور لها على حسابها في "إكس" أن قتل النظام السعودي للصحفي تركي الجاسر يعدّ تطورا خطيرا بتهمة الخيانة والتآمر.
ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن " الجاسر معتقل منذ مارس/آذار 2018 بتهمة إنشاء حساب كشكول السياسي على تويتر (اكس)، ولم تُعرف معلومات عن الحكم عليه. تعرّض للإخفاء القسري لمدة ٢١ شهراً والحرمان من توكيل محامٍ".
وأشارت إلى أنه "لم يسبق أن سجّلت المنظمة إعدام صحفي من قبل في المملكة".
وأعلنت أنه بإعدام الجاسر يكون "هذا ثاني إعدام بتهمة الخيانة الغامضة هذا العام، والجاسر أول ضحايا هذه التهمة المعروفين ما سيمكننا من فهم هذه التهمة بعض الشيء".
وأكدت أنه بإعدام الجاسر بلغ عدد المنفذ بهم حكم الإعدام إلى " 148 في 2025 التي يبدو فيها أن القتل سيتجاوز العام الماضي بأرقامه غير المسبوقة."
غياب الشفافية في المحاكمة:
وفقًا للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، يُفترض أن يعرض أي متهم أمام محكمة علنية، حيث يتم نشر جميع الأوراق الرسمية المتعلقة بالقضية مثل محاضر المحاكمة، بما في ذلك الأدلة والشهادات.
في قضية الجاسر، لم يتم تقديم تفاصيل واضحة بشأن محاكمته، ومن غير المعلوم كيف تمت المحاكمة أو أي محامٍ تم تعيينه له. غياب هذا النوع من الشفافية يعزز الشكوك حول نزاهة النظام القضائي في "السعودية" في التعامل مع المعارضين.
أثبتت التقارير تعرض الجاسر للتعذيب في السجون السعودية، مما يعد خرقًا صارخًا للمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحظر التعذيب والعقوبات أو المعاملات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وإن أي اعترافات يتم الحصول عليها تحت التعذيب تُعتبر غير قانونية في الأنظمة القانونية، ولا ينبغي أن يتم استخدامها كدليل في محاكمة شخص ما.
وفي حالة الجاسر، يثار تساؤل كبير حول مشروعية اعترافاته لم يعدّ مستغربا الاسترسال في التهم الفضافضة لقمع حرية التعبير. إن التهم التي وُجهت للجاسر مثل "التخابر مع جهات خارجية" و"تمويل الأنشطة الإرهابية" تظل غير محددة ودون أدلة ملموسة، حيث لم يتم تقديم تفاصيل واضحة حول تلك التهم ما يجعل من الصعب تصديقها.
بعترف القانوني الدولي بأن "التهم العامة" مثل هذه يجب أن تُبسط في محاكمة عادلة وفي محكمة مستقلة، مع أدلة واضحة لدعم الاتهامات. ولا يجوز للسلطات أن تستخدم تهمًا مبهمة كهذه للتضييق على حرية التعبير.
وفقًا للمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يجب أن يتمتع المتهم بحق محاكمة علنية، وأن يُمنح الحق في الدفاع عن نفسه. في حالة الجاسر، لم يُسمح له بحضور محاكمة عادلة أو حتى تقديم دفاعه. علاوة على ذلك، لم يتم الإعلان عن موعد المحاكمة أو تقديم دليل قاطع على الإجراءات القانونية التي اتبعتها السلطات.
يبدو أن الجاسر كان مستهدفًا لمواقفه السياسية وأفكاره حول الإصلاح الاجتماعي وحقوق المرأة. في كثير من الأحيان، يتم قمع حرية التعبير من خلال استخدام التهم الموجهة ضد الأفراد الذين يطالبون بالتغيير أو الذين يختلفون عن توجهات الدولة الرسمية. هذا النوع من القمع يتعارض مع الحق في التعبير عن الرأي المكفول في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يعترف بحرية الأفراد في التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم.
التعذيب كوسيلة لقمع الرأي:
يُعد تعذيب الجاسر في السجون السعودية جزءًا من سياسة قمع المعارضة، وهو خرق صارخ للاتفاقيات الدولية التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية، مثل اتفاقية مناهضة التعذيب التي صدقت عليها "السعودية". جريمة قتل الجاسر تحت التعذيب تُعتبر جريمة ضد الإنسانية في ظل القوانين الدولية.
القمع الممنهج لحقوق الإنسان:
تأتي قضية الجاسر في سياق أوسع من قمع حقوق الإنسان في "السعودية"، خاصة فيما يتعلق بمعتقلي الرأي. بينما يدّعي النظام تنفيذه إصلاحات اقتصادية واجتماعية، فإن القمع الممنهج لحرية التعبير يبقى مشكلة مستمرة.
تعبيرات المعارضة، مثل تلك التي كان يروج لها الجاسر بشأن حقوق المرأة والإصلاح السياسي، تُقابل بتعاملات قاسية قد تصل إلى التعذيب أو القتل. إضافةً إلى ذلك، لم يعد قمع حرية التعبير محصورًا في السجون فقط، بل بات يمتد إلى اعتقال الأفراد لمجرد الكتابة أو التغريد بما يجول في خواطرهم، أو حتى التعبير عن أحلامهم ومشاعرهم تجاه المستقبل.
تشير المنظمة إلى أن الأحكام التعزيرية هي أحكام تخضع للسلطة التقديرية للقضاة، وأحكام القتل الصادرة بموجبها تعتمد على تفسير متشدد ونادر. وفي فبراير /شباط 2021، أعلن بن سلمان عن تنظيمات تشريعية قال أنها سوف تساهم في تطوير البيئة التشريعية واستقرار المرجعية النظامية بما يحدّ من الفردية في إصدار الأحكام، ويمنح إمكانية التنبؤ بها.
يبدو أن تركي الجاسر والذي كان وفيّا "للسعودية" قد لحق بزميله جمال خاشقجي في المصير وإن بطريقة وأسلوب مختلفين. وما يكشف الآن ليس إلا شذرات من رأس الجليد. لا أحد في "السعودية" في مأمن من أن تطاله يد آل سعود يوما.
في سياق متصل، منذ وصول سلمان بن عبد العزيز العرش في عام 2015، اتخذت "السعودية" نهجًا أكثر قمعًا، تجسّد في سياسات ممنهجة هدفت إلى إسكات الأصوات المستقلة والمدافعين والمدافعات عن الحقوق والحريات، وتضييق غير مسبوق عليهم. ورغم أن القمع لم يكن غائبًا عن “السعودية” قبل ذلك، إلا أن وتيرته وحدّته شهدتا تصاعدًا كبيرًا منذ تولي سلمان ولاحقا محمد بن سلمان مناصب السلطة. وفي تقرير للمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، أكدت فيه أن أساليب السيطرة على مساحات المجتمع المختلفة، السياسية والحقوقية والاجتماعية، باتت أكثر دموية وتعسفًا، حيث توسعت حملات الاعتقال، وازدادت الأحكام المغلظة، وتكرّس استخدام القضاء ليكون أداة ترهيب. هذه السياسات لم تستثنِ أحدًا، فشملت كتابًا، وناشطين، ومدافعات عن حقوق المرأة، وشخصيات أكاديمية ودينية واجتماعية، في محاولات مستمرة لفرض الصمت وتفريغ الفضاء العام من أي صوت مستقل.
وفي تقرير سابق للمنظمة الأوروبية السعودية، اعتبرت أنه رغم الإفراجات الأخيرة لعدد من المعتقلين، لا يزال عدد من أبرز المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان رهن الاعتقال، بينهم: محمد البجادي، الصحفي وجدي الغزازي، محمد الربيعة، إسراء الغمغام، عيسى الحامد، محمد العتيبي، وليد أبو الخير، عبد العزيز الشبيلي، الشيخ محمد الحبيب. معظمهم أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، وبعضهم يعاني من ظروف احتجاز سيئة ومنع من التواصل مع ذويه أو محاميه. كما لا يمكن معرفة السبب وراء استثنائهم من الإفراجات الأخيرة.
ورأت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن ما تمارسه “السعودية” من اعتقالات تعسفية وفرض “حرية مشروطة” على الناشطين والناشطات، يكشف عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تعميم الصمت التام على المجتمع المدني، وإبقاء المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان تحت طائلة التهديد الدائم. فالإفراج الذي لا يُتيح للمفرج عنهم حرية التنقل، ولا يمنحهم حق التعبير، ولا يُعيد لهم حياتهم المدنية، هو في حقيقته شكل جديد من أشكال الاحتجاز.
أكدت المنظمة أنه لا يمكن اعتبار الإفراجات الفردية مؤشراً إيجابيًا في ظل استمرار القمع، وغياب الشفافية، واستمرار محاكمة النشطاء بقوانين فضفاضة، أمام محاكم غير مستقلة، ووفق إجراءات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة. وشددت المنظمة على أن تكميم الأفواه، ومنع المعلومات من الخروج إلى العالم، وتحويل الحياة اليومية للنشطاء إلى سجون مفتوحة، إنما هو امتداد للنهج القمعي المستمر.