عاجل:
دور هيئة حقوق الإنسان السعودية في تلميع جرائم النظام
جرائم وانتهاكات 2025-09-13 08:43 1088 0

دور هيئة حقوق الإنسان السعودية في تلميع جرائم النظام

أصدرت 3 منظمات حقوقية، تقريراً جديداً يسلّط الضوء على دور هيئة حقوق الإنسان في السعودية، وذلك في الذكرى العشرين لإنشائها

أصدرت كل من المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، والقسط لحقوق الإنسان، ومينا لحقوق الإنسان، تقريراً جديداً يسلّط الضوء على دور هيئة حقوق الإنسان في "السعودية"، وذلك في الذكرى العشرين لإنشائها. ويأتي هذا التقرير استكمالاً لتقرير سابق صدر عام 2023 عن المنظمات ذاتها، والذي كشف آنذاك عن الطابع الدعائي للهيئة وغياب استقلاليتها، مؤكداً أنها لم تؤدِ دورها المفترض كمؤسسة وطنية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، بل تحولت إلى أداة بيد السلطات لتلميع سجلها الحقوقي على الصعيد الدولي.

التقرير الجديد الذي صدر في سبتمبر 2025 يضيف طبقة جديدة من الأدلة والتحليل، مشيراً إلى أن الهيئة واصلت على مدار العامين الماضيين ذات النهج القائم على التغطية على الانتهاكات وتقديم سردية منمّقة أمام المجتمع الدولي، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات الحقوقية في الداخل. وتؤكد المنظمات الثلاث أنّ غياب أي إصلاحات جذرية في بنية الهيئة أو آليات عملها، يثبت أنّها ليست سوى صوت رسمي موازٍ للحكومة، يُستخدم لإسكات الانتقادات أو حرف الأنظار عن الواقع الميداني لحقوق الإنسان في "السعودية".

تشير المنظمات إلى أن هيئة حقوق الإنسان أُنشئت في سبتمبر 2005 بموجب مرسوم ملكي، لتكون المؤسسة الرسمية المخوّلة النظر في قضايا حقوق الإنسان ومتابعتها. وعلى الورق، مُنحت الهيئة صلاحيات واسعة تشمل مراجعة القوانين، استقبال الشكاوى، مراقبة أماكن الاحتجاز، والتوعية بالحقوق. غير أن الواقع يُظهر أن هذه الهيئة صُممت لتبقى خاضعة للسلطة التنفيذية؛ فمجلس إدارتها ورئيسها يُعيّنون بقرارات ملكية، ما يجعلها فاقدة للاستقلالية البنيوية التي تشكّل شرطاً أساسياً لاعتراف المجتمع الدولي بها كمؤسسة وطنية مستقلة.

وبحسب تقرير 2023، فإن الهيئة لم تتقدّم قط للحصول على اعتماد من "التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان" (GANHRI)، وهو الكيان المسؤول عن تقييم التزام المؤسسات بالمعايير الدولية المعروفة بـ"مبادئ باريس". ويعني ذلك عملياً أنها غير خاضعة لأي شكل من أشكال الرقابة أو التقييم الخارجي، الأمر الذي يسمح لها بالعمل كجهاز حكومي مغلّف بغطاء "حقوقي"، دون أن تُلزم نفسها بالمعايير العالمية المتفق عليها.

التقرير الجديد يذهب أبعد من ذلك ليُظهر أن هذا الوضع لم يتغيّر إطلاقاً حتى بعد مرور عقدين على تأسيس الهيئة. فبدلاً من تعزيز استقلاليتها، كرّست الهيئة موقعها كناطق باسم الحكومة في المحافل الدولية، ولا سيما في الأمم المتحدة.

تؤكد المنظمات الثلاث أن السنوات 2024 و2025 حملت سلسلة من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في "السعودية"، بدءاً من استمرار حملات الاعتقال التعسفي ضد ناشطي المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق المرأة، مروراً بالارتفاع القياسي في عدد أحكام الإعدام، وصولاً إلى القيود المستمرة على حرية التعبير والتنظيم.

ففي الوقت الذي تحتفل فيه الهيئة بما تصفه بـ"إصلاحات" على صعيد حقوق المرأة، مثل تعديل بعض التشريعات المرتبطة بالولاية الذكورية، كانت ناشطات بارزات يتعرضن للاعتقال أو المنع من السفر، ومن بينهن مناهل العتيبي التي حُكم عليها بالسجن سنوات عدة بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بإنهاء نظام الولاية. كذلك وثّقت منظمات حقوقية استمرار فرض قيود صارمة على سجناء سابقين أفرج عنهم، إذ تُفرض عليهم أحكام منع من السفر تصل إلى عشرين عاماً بعد انتهاء مدة سجنهم، وهو ما وصفته المنظمات بأنه "عقوبة مضاعفة".

إلى جانب ذلك، شهد العام 2024 أكبر حصيلة إعدامات في تاريخ البلاد، حيث نُفذ 345 حكماً بالإعدام، بينهم أكثر من مئة أجنبي، وغالبيتهم في قضايا مخدرات لا ترقى إلى مستوى "أخطر الجرائم" التي يجيز القانون الدولي تطبيق العقوبة القصوى فيها. وتواصل هذا المسار خلال 2025، مع تسجيل أكثر من 260 حالة إعدام حتى أغسطس، بينهم عشرات من أبناء الأقلية الشيعية الذين حوكموا بتهم "إرهاب" وصفتها المنظمات بالملفقة.

هذه الأرقام الصادمة لم تلقَ أي اعتراف من هيئة حقوق الإنسان، التي واصلت تقديم صورة وردية عن أوضاع العدالة، مكتفية بالإشارة إلى دورها في "نشر التوعية القانونية" و"تنظيم ورش تدريبية"، بينما تركت مئات المحكومين يواجهون المصير المجهول دون أي حماية مؤسسية.

تلاحظ المنظمات أن الهيئة لم تُدخل أي تغييرات حقيقية على بنيتها أو آليات عملها رغم الانتقادات الواسعة التي طالتها. فهي لم تُصدر تقارير مستقلة وشفافة حول أوضاع السجون وظروف الاعتقال، ولم تحقق في مزاعم التعذيب والانتهاكات، ولم توفّر منصة آمنة للضحايا أو عائلاتهم لرفع شكاواهم. وبدلاً من ذلك، اقتصرت أنشطتها على ترديد خطاب رسمي يعتبر أي انتقاد خارجي بمثابة "تدخل في الشؤون الداخلية"، ما يكرّس دورها كجدار دفاعي عن السلطة لا كجهاز رقابي مستقل.

الأخطر أن الهيئة لم تتوانَ عن ترؤس الوفود الرسمية لـ"السعودية" في الأمم المتحدة، كما حصل خلال الاستعراض الدوري الشامل لملف حقوق الإنسان في يناير 2024. وقدمت رئيسة الهيئة هالة التويجري آنذاك بياناً باسم الحكومة، مدعية أن "حرية الرأي والتعبير مصونة" وأن "أي انتهاكات يتم التحقيق فيها". لكن هذه التصريحات، كما لاحظت المنظمات، تتناقض جذرياً مع الحقائق الميدانية التي وثقتها جهات مستقلة.

يلفت التقرير إلى أن جزءاً من نجاح الهيئة في الاستمرار بدورها يعود إلى انفتاح بعض المنظمات الدولية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة على التعاون معها، سواء من خلال برامج تدريبية أو مذكرات تفاهم. ويشير التقرير إلى أن هذه الشراكات، بدلاً من أن تُستخدم للضغط من أجل إصلاح حقيقي، تُستغل لتعزيز صورة الهيئة كجهاز شرعي وفاعل، ما يساهم عملياً في شرعنة خطابها الرسمي وتجاهل الواقع.

وترى المنظمات الثلاث أن هذه الدينامية الدولية تُعد خطيرة لأنها تضفي غطاءً دولياً على مؤسسة فاقدة للاستقلالية، وتسمح للسلطات باستخدامها كأداة دبلوماسية للتخفيف من الانتقادات، دون أن ينعكس ذلك بأي شكل على تحسين حياة الأفراد داخل البلاد.

في ختام تقريرها، تشدد كل من المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، والقسط، ومينا على أن مرور عشرين عاماً على تأسيس هيئة حقوق الإنسان دون أي إصلاح جوهري يُثبت أنها مؤسسة شكلية لا أكثر. وتطالب المنظمات بضرورة وقف التعامل معها كممثل شرعي للمجتمع المدني السعودي، والضغط بدلاً من ذلك على السلطات لإيجاد آليات حقيقية للمساءلة والرقابة.

كما أوصت المنظمات المجتمع الدولي والأمم المتحدة بضرورة ربط أي تعاون أو دعم للهيئة بخطوات ملموسة تثبت استقلاليتها، مثل تعديل طريقة تعيين أعضائها، وضمان الشفافية في تقاريرها، والسماح لها بالعمل بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية. وإلى حين تحقيق ذلك، يبقى دور الهيئة محصوراً في تلميع صورة الحكومة، في مقابل استمرار الانتهاكات ضد المعارضين والنشطاء والمجتمع المدني الأوسع.

التقرير الجديد يُظهر بوضوح أنّ هيئة حقوق الإنسان السعودية لم تتحول، بعد عقدين من إنشائها، إلى مؤسسة وطنية مستقلة تدافع عن الحقوق وتواجه الانتهاكات، بل استمرت كواجهة رسمية لتغطية سياسات الدولة وتبريرها أمام المجتمع الدولي. وفي ضوء استمرار القمع الداخلي، وتصاعد وتيرة الإعدامات، وتكميم الأفواه، فإن وجود هذه الهيئة لم يعد يُقرأ إلا باعتباره جزءاً من المشكلة لا الحل.

المنظمات الثلاث خلصت إلى أنّ أي حديث عن إصلاحات شكلية أو تعديلات سطحية لا يُغير من الحقيقة الجوهرية: أن هيئة حقوق الإنسان في "السعودية" تبقى مؤسسة حكومية بامتياز، عاجزة عن حماية أبسط الحقوق، ومصممة لتبييض الانتهاكات بدلاً من كشفها. ومن دون ضغط دولي جاد، لن يكون هناك تغيير يُذكر في سلوكها أو في سلوك الحكومة التي تُستخدم لتلميع صورتها.
 

آخر الاخبار