دائماً ما شكلت قوى المقاومة جداراً سميكاً حمى إيران وحلفاءها، وأفشل مخططات العدو الكبرى في المنطقة، وحينما تصدع أو ضَعُفَ هذا الجدار باتت المخططات الإسرائيلية على مسافة صفر من المنطقة، سواء لجهة دول الطوق أو البعيدة، منها المملكة العربية السعودية التي دعاها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى استقبال الفلسطينيين وقيام «فلسطين بديلة» على أراضيها.
يُخطئ من يظن من العرب والمسلمين بأن المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، على اختلاف انتماءاتها ومشاربها، لا تصب في مصلحته مهما اختلف معها ووجدها تشكل المعوقات الرئيسية في طريقه، ومهما كان ينظر إليها بتشاؤم وبعدائية أحياناً.
بعد عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يدرك العرب خطورة ما جرى، واعتبر بعضهم بأنها فرصة للتخلص من حركة «حماس»، التي ينظرون إليها كفرع أصلي من شجرة «الإخوان المسلمين»، واصطف هؤلاء إلى جانب العدو ومدّوه بكل ما يلزم من حاجات حيوية وحربية في مكان ما، تعويضاً عن الحصار البحري الذي فرضته حركة «أنصار الله» اليمنية وإغلاق مرفأ إيلات بالكامل. والبعض الآخر، وكأن على رؤوسهم الطير، فقام بفاعليات خجولة لم تؤتِ أُكلها، فيما تفردت مصر وقطر في تولي الواسطة مع الولايات المتحدة الأميركية.
ولم يتغيّر شيء في ما خصّ الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، بعد أن ضاقت ذرعاً من جبهة الإسناد التي تولاها «حزب الله» ابتداءً من اليوم التالي للـ«طوفان». يتفرج العرب، ولم تجرؤ أيٌّ من دولهم المطبعة على قطع علاقاتها الديبلوماسية مع تل أبيب.
اليوم، وبعد أن تلقّى محور المقاومة ضربة قاسية جداً، كادت أن تكون قاضية، لولا اللطف الإلهي وبسالة المقاومين الاستثنائية في غزة وفي جنوب لبنان، بدأ العرب يدفعون فاتورة اعتكافهم عن مساندة غزة، في السياسة على الأقل. وفي المناسبة، ليس من المنطقي أصلاً أن تطلب منهم أكثر من ذلك. حتى هذا لم يحصل!
اليوم، تصدّع محور المقاومة، وباتت المنطقة مكشوفة، وتفرعن العدو، احتل جزءاً من سوريا بعد أن دمّر معظم قدرات جيشها، وأبقى على احتلال خمس نقاط حاكمة في جنوب لبنان، ولم تتوقف غطرسته على الدول التي كانت محسوبة على المحور، إنما يحاول أن يمدّ يده إلى أرض دول مطبّعة معه، أو كانت في طريقها إلى التطبيع قبل «الطوفان».
هذه المرة أتت الغطرسة الإسرائيلية بمبادرة أميركية، من ساكن البيت الأبيض، دونالد ترامب، الذي توسل العرب بقدومه خيراً، بعد أن جزم بأنه سينهي الحروب المشتعلة في المنطقة وغيرها، لكن فات العرب بأنه سينهي الحروب على حساب أرضهم وسيادتهم وثرواتهم، إذ إنه لم يتوانَ عن مصارحة مصر والأردن بوجوب استقبال الغزاويين على أراضيهما، وهذا ما شجع نتنياهو أيضاً على الطلب من السعودية الأمر نفسه.
صحيح أنّ موضوع تهجير الغزاويين قد لا يحصل، لكن مجرد الطلب، يدلل على مستوى التعاطي الأميركي مع القيادات العربية، وربما ما كان لترامب أن يطلب ذلك قبل اهتزاز محور المقاومة، لا سيما سقوط أحد أركانه، الدولة السورية، التي أصبحت في مكان آخر.
بمعنى آخر، إن قوى المقاومة لم تكن تدافع عن نفسها وعن الدول المنطلقة منها وحسب، إنما كانت تدافع عن الدول العربية المناوئة والمعادية لها أيضاً. وكانت تشكّل حاجزاً مانعاً لكل مخططات العدو في المنطقة، التي تمتد من المحيط إلى الخليج.
وثمة من يعتبر الرئيس الأميركي شخصاً مجنوناً ومتهوّراً، ولا يعي ما يقول، ولكن في الحقيقة، إن مشروع تهجير غزة ليس وليد ساعته، إنما يعود إلى عام 2007، عندما تجنّدت واشنطن لخدمة خطة «غزة الكبرى». كان المقترح آنذاك يقضي بأن تمنح مصر مساحة 1600 كيلومتر مربع في سيناء – أي ما يعادل خمسة أضعاف مساحة غزة – للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية برئاسة محمود عباس.
كذلك، جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، ومبعوثه الخاص إبّان ولايته الأولى للشرق الأوسط، قال في فاعلية في هارفارد في فبراير 2024: «العقارات على الواجهة البحرية لغزة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة، إذا ما ركّز الناس على توفير سبل العيش».
قد لا يكون المقصود، اليوم على الأقل، تهجير أهالي غزة، وقد يؤجل تحقيق حلم اليمين المتطرف المهيمن على الكيان إلى مرحلة تالية، بل حلم اليسار الإسرائيلي أيضاً، ألم يكن أحد تمنّيات زعيم اليسار واتفاقات السلام بين اليهود والعرب، رئيس الوزراء الأسبق، إسحاق رابين، أن يستيقظ من نومه ذات صباح ليجد قطاع غزة وقد غرق في البحر؟ لكن، ومع الأسف، لا بدّ من أن يدفع العرب ثمن تراجع أميركا عن هذا المشروع، وربما يكون الثمن تطبيع السعودية لعلاقاتها مع إسرائيل، وعلى أن تقلع الرياض وكل العواصم العربية، ولمرة أخيرة، عن المطالبة بإقامة دولة فلسطينية. بعد أن نظّمت واشنطن وتل أبيب مراسيم دفن «حل الدولتين» وفتح سجل التعازي في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة.