وتتناول هذه الدراسة المنهجية المتبعة في تنفيذ عقوبة الإعدام وما يعقبها من احتجاز تعسفي للجثامين، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية والشرائع السماوية والمواثيق الدولية. تهدف الدراسة من خلال رصد دقيق للوقائع إلى كشف الستار عن "جريمة مستمرة" لا تنتهي بقطع الرأس، بل تمتد لتطال حق العوائل في مواراة أبنائهم الثرى، محولةً أجساد الضحايا إلى "رهائن" لدى السلطة الأمنية.
يبرز التقرير أن سلطة الكيان السعودي توسعت في استخدام عقوبة الإعدام بصورة تعسفية لتشمل جرائم غير عنيفة وأفعالاً لا تستحق هذه العقوبة القاسية وفق النصوص الإسلامية، حيث تُستغل كأداة سياسية للانتقام من المعارضين وكبح جماح المطالبات بالحقوق المشروعة. وتتم هذه العمليات عبر محاكمات سرية تفتقر لأدنى معايير العدالة الدولية، حيث يُحرم المتهمون من حق الدفاع أو الاستعانة بمحامين مستقلين، وتُبنى الأحكام غالباً على اعترافات تُنتزع تحت وطأة التعذيب المنهجي والصعق الكهربائي والإكراه البدني الذي قد يؤدي أحياناً إلى موت المتهم تحت التعذيب قبل صدور الحكم. وتؤصل الدراسة لهذا العوار القانوني بالإشارة إلى أن النظام القضائي السعودي يعتمد على تفسيرات خاطئة للأحاديث النبوية نتيجة حالة الكراهية والتعصب التي تسيطر على بعض القضاة تجاه من يخالف مذهب الدولة الرسمي، مما ساهم في خلق جيل من المسؤولين القضائيين المستعدين للنطق بأحكام الإعدام لمجرد اختلاف المذهب. وبحسب الدراسة، فإن هذه الممارسات تخالف الضمانات الدولية التي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراره 50/1984، والتي تمنع تنفيذ الإعدام إلا بموجب حكم نهائي يوفر كافة ضمانات المحاكمة العادلة.
وتوثق الدراسة حالات عينية لشهداء تم إعدامهم في الثاني من يناير عام 2016، وعلى رأسهم الرجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، الذي استطاع إحداث نقلة نوعية في وعي الشباب بالمطالبة بالحقوق السياسية والمدنية. وتكشف التفاصيل الواردة عن عذاب رهيب تعرض له الشيخ داخل السجون قبل قطع رأسه الشريف بحد السيف. كما توثق الدراسة استشهاد الشاب محمد علي الصويمل الذي اعتقل بعملية دهس متعمدة وتعرض للضرب من قبل جلادين حتى فقد الوعي وصعق بالكهرباء في مناطق حساسة، والشهيد علي سعيد آل ربح الذي اعتقل من على مقعد الدراسة وحُرم من توكيل محامٍ، وظهرت عليه آثار الحروق والكسور في أنفه عند زيارة أهله له. وتلفت الدراسة الانتباه إلى حالة الشهيد محمد فيصل الشيوخ الذي اعتقل عند نقطة تفتيش وبقي في السجن الانفرادي ثمانية أشهر تعرض خلالها للصعق بالكهرباء، والشهيد علي العبد الله الذي اغتالته قوات المهمات الخاصة بطلقة مباشرة في الرأس أثناء اقتحام بلدة العوامية. إن هؤلاء الشهداء يمثلون ضحايا لسياسة التمييز الطائفي الممنهج، وتؤكد الوثيقة أن النظام السعودي انتهك المادة 15 من اتفاقية حقوق الطفل بإعدامه علي آل ربح الذي كان قاصراً وقت الاعتقال.
وتستند السلطات في تبرير هذه الإعدامات إلى "نظام جرائم الإرهاب وتمويله" الصادر عام 2011، والذي يستخدم تعريفات فضفاضة للإرهاب تشمل "الإساءة لسمعة الدولة" أو "زعزعة أمن المجتمع"، وهي مصطلحات تُستخدم لتجريم حرية الرأي. وتفند الدراسة هذه الادعاءات مؤكدة أن نشاط الشيخ النمر كان ممارسة مشروعة لحق التعبير كما نصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وتوضح الدراسة أن إعدام الشيخ لم يستند إلى جريمة شديدة الخطورة، مما يخالف المادة 6 من العهد الدولي التي تحمي الحق في الحياة وتمنع الحرمان التعسفي منه.
إن الجريمة الكبرى التي تضعها الدراسة أمام الرأي العام هي احتجاز جثامين هؤلاء الشهداء ورفض تسليمها لذويهم منذ تاريخ إعدامهم. وهذا السلوك ليس وليد اللحظة، بل هو نهج تأصيلي لدى النظام؛ إذ توثق الدراسة حالات لشهداء مغيبة جثامينهم منذ أكثر من 28 عاماً. ومن أبرز هؤلاء شهداء عام 1988: القائد علي عبدالله الخاتم (26 عاماً) الذي اعتقل بعد مطاردة أمنية ولاقى أشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي قبل إعدامه في ساحة الدمام، والقائد أزهر علي الحجاج (34 عاماً) الذي نُقل بين سجني الحاير والمباحث العامة بالدمام وتعرض لذات المصير بتهم تجسس باطلة. كما تشمل القائمة الشهيد محمد علي القروص (35 عاماً) الذي اعتقل عقب انفجار في شركة صدف حيث كان يعمل، وأعدم عام 1988 بعد خمسة أشهر من التعذيب القاسي، والشهيد خالد عبدالحميد العلق، خريج جامعة البترول والمعادن، الذي أعدم في نفس التاريخ والمكان ولا تزال جثته مغيبة.
كما تتطرق الدراسة لقصة الشهيد صادق عبد الكريم مال الله الذي اعتقل عام 1987 واتهم بسب الله والرسول وصدر بحقه بيان تكفيري من وزارة الداخلية يصفه بالدجال والمشعوذ. أُعدم صادق عام 1413هـ دون محاكمة علنية أو أدلة، وكانت آخر كلماته "الله أكبر" في ساحة القطيف. وتضيف الدراسة حالة الشهيد محمد حسن الحايك الذي استشهد تحت التعذيب في سجن الرياض عام 1998، ولم تُبلغ عائلته بوفاته إلا بعد عام ونصف، ولا تزال جثته محتجزة ومكان دفنه مجهولاً. إن تغييب هؤلاء الشهداء لعقود يبرهن على أن النظام السعودي يدير منظومة كاملة من التنكيل لا تنتهي بوفاة الضحية.
وتكذّب الدراسة الادعاءات الرسمية بأن السعودية "دولة عربية إسلامية دستورها كتاب الله وسنة رسوله"، متسائلة عن التوافق بين هذه المبادئ وبين احتجاز الجثامين. فالدين الإسلامي، كما تؤكد الدراسة، أمر بتبجيل واحترام الموتى وتجهيزهم ودفنهم في قبور شاخصة لزيارتهم وتستشهد بالحديث النبوي "كسر عظم الميت ككسره حياً" للتدليل على حرمة الاعتداء على الجسد بعد الموت. وتعتبر الدراسة أن تغييب الجثامين يهدف بشكل أساسي إلى إخفاء "بصمات الجريمة" وآثار التعذيب الوحشي التي قد تكون شاهدة على ما اقترفه المحققون والجلادون، كما أنه يمثل اعتداءً صارخاً على مشاعر العوائل المكلومة.
تخلص لجان الحراك الشعبي في ختام تقريرها إلى أن استمرار هذا النظام في احتجاز جثامين من أعدموا وهم "على حق" يمثل قمة الفساد القضائي والأخلاقي. وتدعو الدراسة الأحرار في العالم والمنظمات الحقوقية للتحرك ضد هذا "النظام الفاسد" الذي يخالف الشرع والعرف والقوانين الإنسانية. إن قضية "الشهداء الأسرى" ستبقى جرحاً نازفاً يذكر العالم بانتهاكات نظام آل سعود، الذي لم يكتفِ بسلب أرواح المطالبين بالحرية والكرامة، بل أبقى على أجسادهم في "سجون أبدية" بعيداً عن أهلهم ووطنهم، في محاولة يائسة لطمس ذكراهم وتغييب حقيقتهم.
إن التزامنا تجاه هؤلاء الشهداء يحتم علينا الاستمرار في المطالبة بحقهم في الدفن اللائق والكشف عن أماكن قبورهم لتبقى شاهدة على حقبة من الاستبداد والقمع لم تشهد لها المنطقة مثيلاً.