تقدّمت منظمة القسط لحقوق الإنسان بتقرير مفصّل إلى خبيرة الأمم المتحدة المستقلة المعنيّة بتمتع كبار السن بجميع حقوق الإنسان استجابةً للدعوة لتقديم مساهمات قبل زيارة الخبيرة المرتقبة إلى " السعودية" بين 20 و30 أبريل 2025. ويُعدّ هذا التقرير، الذي أعدته منظمة " القسط" ، محاولة لاستغلال هذه الزيارة النادرة لتسليط الضوء على قضية محورية في سياق حقوقي يتسم بانتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق في " السعودية" .
تُشير منظمة القسط لحقوق الإنسان إلى أن واقع كبار السن في " السعودية" لا يمكن فصله عن السياق الحقوقي الأوسع في البلاد. فقد واجه خبراء الأمم المتحدة صعوبات كبيرة في الوصول إلى " السعودية" ، حيث رفضت السلطات السعودية مراراً منحهم حق الدخول، وامتنعت عن الرد على العديد من الطلبات. هذا الرفض يُظهر رغبة واضحة في تفادي الرقابة والمساءلة الدولية. علاوة على ذلك، تُمارس السلطات حظراً على التمثيل العلني، وتعمل على إسكات المجتمع المدني وتجريم العمل الحقوقي، مما يؤدي إلى تقويض الحقوق الأساسية وتراجع معايير الحوكمة. وعندما تواجه انتقادات من المراقبين الدوليين، تلجأ السلطات إلى التلاعب بالسردية، فتُبرز الثناء وتتجاهل النقد.
في ظل هذا المشهد، ركّز تقرير منظمة " القسط" على المحاور التي يتأثر بها كبار السن بشكل خاص، ومن أبرزها: الاحتجاز التعسفي والمعاملة اللاإنسانية، وحظر السفر، والتهجير القسري، بالإضافة إلى العراقيل التي تواجهها الفئات المهمشة من كبار السن.
منذ أن تولى محمد بن سلمان السلطة في عام 2017، شهدت " السعودية" حملات اعتقال تعسفية واسعة النطاق، استهدفت النشطاء والمدافعين عن الإصلاح، وحتى الأفراد الذين عبروا عن آرائهم علناً بما لا يتماشى مع الخطاب الرسمي. وفي هذا السياق، وثّقت منظمة القسط لحقوق الإنسان حالات كثيرة لأشخاص مسنين تعرضوا للاعتقال بسبب ممارستهم لحقوقهم الأساسية. ووفقاً للتقرير، فإن بعض هؤلاء المعتقلين هم مدافعون حقوقيون بدأوا نشاطهم منذ عقود، وأكاديميون بارزون، ورجال دين ومواطنون متقاعدون. وبسبب طول الأحكام الصادرة بحق العديد منهم، بلغ بعض المعتقلين مرحلة الشيخوخة وهم لا يزالون خلف القضبان. وقد أورد تقرير " القسط" قائمة مختارة من كبار السن المحتجزين تعسفياً، منهم: عايدة الغامدي (66 عاماً)، سلمان العودة (68 عاماً)، والأكاديمي إبراهيم الفارس (69-68 عاماً)، والمهندس المعماري المتقاعد أحمد فريد مصطفى (86-85 عاماً).
لا تقتصر الانتهاكات على الاعتقال التعسفي، بل تمتد إلى ظروف الاحتجاز القاسية، إذ لا تسمح السلطات بأي رقابة مستقلة على أوضاع السجون. وقد تعرض معتقلو الرأي بشكل خاص لممارسات قاسية وغير إنسانية، بما في ذلك الإهمال الطبي المتعمد، وسوء المعاملة، والإخفاء القسري، مما عرض حياتهم للخطر. كما أخضع البعض منهم للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد. ويُشير تقرير منظمة " القسط" إلى أن هذه المعاملة القاسية تضاعف من الأثر السلبي على كبار السن من السجناء، خصوصاً من الناحية الصحية، حيث تؤدي إلى تدهور حالاتهم المرضية المزمنة وتُسهم في نشوء أمراض جديدة.
ومن الأمثلة الصارخة التي ذكرها تقرير " القسط" :
سلمان العودة (68 عاماً): خضع لمعاملة قاسية داخل السجن، تراوحت بين العزل والإهمال الطبي الشديد. ونتيجة لذلك، فقد جزءاً كبيراً من بصره وسمعه، ولا يزال محتجزاً في سجن الحائر بالرياض.
المسؤول الفلسطيني محمد الخضري (87-86 عاماً): حُرم من تلقي العلاج الطبي الضروري أثناء احتجازه. وقد تدهورت حالته الصحية بشكل خطير بسبب انقطاع العلاج، إذ كان يتلقى علاجاً بعد عملية جراحية للسرطان عند اعتقاله تعسفياً في أبريل 2019. ولم يتم إطلاق سراحه إلا في أكتوبر 2022.
وتُعدّ وفيات كبار السن أثناء الاحتجاز من أخطر الممارسات التي وثقتها منظمة القسط لحقوق الإنسان. وقد أدت ممارسات الإهمال الإداري، والتعذيب، والحرمان المتعمد من العلاج الطبي إلى حالات وفاة داخل السجون في السنوات الأخيرة. ومن أبرز الحالات التي ذكرها التقرير:
المدافع عن حقوق الإنسان عبد الله الحامد: توفي في أبريل 2020 عن عمر ناهز 69 عاماً. رفضت السلطات مراراً منحه العلاج الطبي الذي كان بأمس الحاجة إليه، حيث كان يعاني من مرض قلبي خطير، وأوصى الأطباء بإجراء عملية جراحية عاجلة له، لكن السلطات تجاهلت التوصيات وتوفي بعد إصابته بسكتة دماغية.
أحمد العماري الزهراني (69 عاماً): توفي بعد إصابته بنزيف دماغي نتيجة تعرضه للتعذيب في سجن ذهبان بجدة.
موسى القرني (67 عاماً): قُتل على يد متطرفين دينيين داخل زنزانته في أكتوبر 2021. كان القرني قد قدم عدة شكاوى إلى إدارة السجن يحذر فيها من التهديدات التي يتعرض لها، لكن السلطات تجاهلت تلك التحذيرات.
ووفقًا لتقرير منظمة القسط، لم تفتح السلطات " السعودية" أي تحقيق جاد بشأن هذه الوفيات.
أشار تقرير منظمة القسط إلى أن السلطات تواصل فرض قيود صارمة على معتقلي الرأي المفرج عنهم، بمن فيهم كبار السن. وتفرض عليهم بشكل روتيني حظراً تعسفياً على السفر والعمل واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أثر هذا الحظر بشكل بالغ على حياة الضحايا، حيث حُرم كبار السن من السفر لتلقي الرعاية الصحية المتخصصة في الخارج، أو من زيارة أقاربهم ولم شملهم مع أحبائهم خارج البلاد. ونتج عن ذلك تدهور ملحوظ في الحالة الجسدية والنفسية والعاطفية للمستهدفين وأسرهم.
إلى جانب ذلك، وثقت منظمة القسط لحقوق الإنسان ممارسة السلطات " السعودية" للتهجير القسري والاستيلاء التعسفي على الأراضي على مدى سنوات طويلة. وقد تم تسريع وتيرة هذه الممارسات في الأعوام الأخيرة، خاصة في ظل المشاريع " التنموية" الكبرى، مثل مشروع مدينة نيوم. وأفاد التقرير بأن هذه السياسات ألحقت أضراراً جسيمة بكبار السن الذين يواجهون تحديات إضافية، منها صعوبات في التنقل، وتفكك الروابط العائلية والاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والأساسية. وكشفت أبحاث منظمة " القسط" أن السلطات جرّدت السكان من ممتلكاتهم بشكل غير قانوني، وشرعت في طردهم قسراً من منازلهم، خاصة أفراد قبيلة الحويطات في منطقة تبوك.
يواجه كبار السن في " السعودية" ، وفقاً لتقرير منظمة " القسط" ، عوائق كبيرة تحول دون تمتعهم الكامل بحقوقهم، لا سيما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ورغم أن القوانين لا تنص صراحة على التمييز ضدهم على أساس العمر، إلا أنهم يتعرضون لانتهاكات مركبة تتقاطع مع هوياتهم الأخرى المهمشة.
الأشخاص عديمو الجنسية (البدون): يُقدر عددهم بين 70,000 و250,000 شخص. وقد تحمل كبار السن منهم تبعات قاسية بشكل خاص، حيث لا تضمن لهم السلطات حق العلاج الطبي، مما يضاعف من المخاطر الصحية في سن متقدمة. كما حُرموا من حق العمل أو الكسب، دون أن توفر لهم السلطات أي دعم مالي أو نظام تقاعد.
النساء: لا تزال منظومة ولاية الرجل تُقيد حياة النساء " السعوديات" حتى في مراحل الشيخوخة. وقد تسبب هذا في تفاقم التداعيات الصحية على كبيرات السن نتيجة استمرار القيود على حريتهن في التنقل والوصول إلى الخدمات. ولا يزال " العقوق" جريمة موجهة ضد النساء اللواتي لا يمتثلن لأوامر أوليائهن (الأب، الزوج، الأخ، أو حتى الابن).
العمال المهاجرون: لا تزال " السعودية" تحتفظ بنظام الكفالة، وهو الإطار التعاقدي الاستغلالي الذي يجعل العمال المهاجرين عرضة للاستغلال وسوء المعاملة. وغالباً ما يعود هؤلاء العمال إلى بلدانهم قبل بلوغ سن التقاعد، إلا أن الانتهاكات التي تعرضوا لها، مثل سرقة الأجور وظروف العمل القاسية، تترك آثاراً اقتصادية ومادية دائمة تمتد إلى مرحلة الشيخوخة.
اختتمت منظمة القسط لحقوق الإنسان تقريرها بمجموعة من التوصيات الموجهة إلى الخبيرة الأممية والسلطات " السعودية" ، بهدف ضمان تحسين أوضاع كبار السن في " السعودية" . ودعت إلى:
الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي.
وقف ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية والتحقيق في جميع حالات الوفاة أثناء الاحتجاز.
رفع جميع القيود المتبقية، خاصة حظر السفر، المفروضة على المفرج عنهم.
وضع حد لممارسة هدم المنازل والتهجير القسري.
العمل على تجنيس كافة الأفراد عديمي الجنسية والمصادقة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
الإلغاء المباشر لنظام الولاية وإنهاء القوانين والممارسات التي تميز ضد المرأة.
إلغاء نظام الكفالة والمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين.