محطات عديدة وُضع فيها صندوق الإستثمارات العامة السعودية تحت المهجر، ذلك لعلامات الاستفهام الكثيرة المطروحة حوله: مصادر تمويله، دوره الحقيقي، أهدافه الخفيّة، ونفوذ محمد بن سلمان فيه. ومع محاولة إقحامه في تمويل استثمارات خارج شبه الجزيرة العربية تتضاعف حدّة الانتقادات الموجّهة له ولمديره محمد بن سلمان ومحافظه العام ياسر الرميان، الذي شُكِّكَ مؤخرا في مستوى نفوذه الحالي على قرارات الصندوق وشراكاته، سيّما مع صعود نفوذ تركي آل شيخ، مدير هيئة الترفيه العامة.
نفوذ الرميان تحت المحكّ:
وكان أن تناول الإعلام الغربي مؤخرا نقطة تراجع نفوذ الرميان أمام ما وصفوه بـ" منافسه" تركي آل شيخ، مستدلّين على ذلك بالشراكة التي عقدها الصندوق مؤخرا مع شركة البث "دازن غروب" التي تمتلك حقوقَ بثِ بعض أبرز دوريات كرة القدم الأوروبية، وهي الصفقة التي تمت دونا عن رضا الرميان، وإنّما بِحَثّ من آل شيخ. ذلك أن هذه الصفقة جاءت معاكسة لما تفاوض عليه الرميان على مدار عدة أشهر لاستحواذ صندوق الاستثمارات العامة على منافسته "بي إن الرياضية" القطرية.
ذهبت المجلة الفرنسية "أنتليجنس أونلاين" بعيدا قليلا في توقعات استبعاد الرميان عن صندوق الاستثمارات واستبداله بتركي آل شيخ، وتقول المجلة: " آل الشيخ الذي يترأس الهيئة العامة للترفيه، كان دوره قد تراجع خلال الأشهر القليلة الماضية بعد خضوعه لعلاج طبي، قبل أن يعود الآن إلى صدارة المشهد، حيث يدير بعضا من أكثر الاستثمارات المرموقة في المملكة.. وما يعزز فرضية ترجيح تركي آل الشيخ لقيادة صندوق الاستثمارات السعودي، أنه لطالما لعبت أسرته دورا بارزا في الجانب الديني من السلطة السعودية" .
ومن الاستدلالات التي طُرِحَت في تدعيم فرضية استبعاد الرميان عن صندوق الاستثمارات العامة هو احتمالية أن يقوم صندوق الاستثمارات السعودي قريباً ببيع حصته البالغة 80 بالمئة في نادي كرة القدم “نيوكاسل يونايتد" ، وكون هذه الخطوة المحتملة تدلل على تراجع نفوذه.
هذا عن الرميان، أما بخصوص الصندوق فقد شكّل تضاعف ميزانيته بشكل مطّرد تزامناً مع أزمة "الريتز كارلتون" حين اختطف ابن سلمان عددا من أهم رجالات المال في البلاد وأجبرهم على التخلي عن نسبة كبيرة من ممتلكاتهم وأموالهم إلى ابن سلمان، منطلقا أساسيا في التشكيك في "رأس مال" الصندوق الاساسي.
كما أثار نقل ابن سلمان 8% من أسهم شركة أرامكو إلى شركات مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، حفيظة جهات داخلية، وهو النقل الذي مدّ مالية الصندوق بالحياة وشكّل له مصدر تمويل وافر عزّز من خلاله ابن سلمان مصادر تمويل مشاريعه المبالغ بها والتي أطلق عليها اسم "رؤية 2030، خاصّة مع تراجع آمال اجتذاب الاستثمارات الغربية.
في يناير/كانون الثاني 2025، أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن استحواذه على حصة 23.08% في الشركة السعودية لإعادة التأمين (سعودي ري) من خلال زيادة رأس المال والاكتتاب في أسهم جديدة. وسلطت هذه الخطوة، التي وصفت بأنها ضرورية للاحتفاظ بأقساط إعادة التأمين محليًا، الضوء على هيمنة صندوق الاستثمارات العامة المتنامية والاتجاه المستمر لتوسيع نطاق السيطرة على قطاعات حيوية من اقتصاد البلاد.
القضية الأبرز والأهم في هذا الخصوص متعلّقة بالشأن الداخلي، حيث تأتي أولويات صندوق الاستثمارات هذا في ما يُسمّى "المشاريع العملاقة" مثل نيوم على حساب الرعاية الاجتماعية. ولا يزال الفقر يشكل قضية ملحة في "السعودية" ، حيث يعيش 13.6% من المواطنين السعوديين تحت خط الفقر، وهو رقم يستبعد الفئات الضعيفة مثل العمال المهاجرين.
المسبب الأبرز لما سبق هو حصر القرارات السياسية والاقتصادية والمالية في يد رجل واحد، وغياب أي جهات أخرى يمكنها أن تعكس مصالح المواطنين على القرارات الحكومية.
منظمات تستنكر رعاية الصندوق لمؤتمرات :
أعربت 5 منظمات حقوقية ضمنها: منظمة القسط لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش ومنظمة الديمقراطية من أجل العالم العربي الآن "DAWN" ، عن استنكارها رعاية صندوق الاستثمارات العامة السعودي مؤتمراً استثمارياً في ميامي معتبرة أنه يسعى إلى تبييض سجل البلاد الفظيع في مجال حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تُعقد قمة أولويات معهد مبادرة الاستثمار المستقبلية التابع لصندوق الاستثمارات العامة في ميامي في الفترة من 19 إلى 21 فبراير 2025.
المنظمات في بيان اتنكارهم بيّنوا أن صندوق الاستثمارات العامة سهّل انتهاكات حقوق الإنسان واستفاد منها، وتستخدمه الحكومة السعودية بانتظام لتبييض انتهاكاتها. وصندوق الاستثمارات العامة هو الشريك المؤسس لمعهد FII، وهي مؤسسة غير ربحية يتم تعيين مجلس أمنائها من قبل الحكومة السعودية ويضم كبار المسؤولين الحكوميين. وفي عامي 2023 و2024، فتح مجلس الشيوخ الأمريكي تحقيقًا للتحقيق في النفوذ السعودي في الولايات المتحدة من خلال استثمارات صندوق الاستثمارات العامة وفحص مخاطر استثمارات صندوق الاستثمارات العامة في الاقتصاد الأمريكي.
قالت الباحث في شؤون "السعودية" في هيومن رايتس ووتش، جوي شيا: "استخدم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سيطرته غير المقيدة على صندوق الاستثمار العام في البلاد الذي تبلغ قيمته تريليون دولار تقريبًا للتقليل من انتهاكاته وتبييضها لسنوات" ، وتابعت: "استضافة مؤتمر استثماري براق في ميامي هو أحدث مثال على هذا النوع من غسيل الصور" .
وستُعقد النسخة الثالثة من قمة الأولويات التي ينظمها المعهد في ميامي تحت شعار "الاستثمار الهادف" ، ويزعم المؤتمر أنه "محفز لإنشاء نماذج أعمال ثاقبة وسياسات عامة جريئة وأطر عمل قابلة للتنفيذ" . ويوفر الاجتماع منصة لرجال الأعمال والمستثمرين والمشاهير البارزين لدعم الحكومة السعودية مع تجاهل سجلها الحقوقي.
وقالت جماعات حقوق الإنسان إن رجال الأعمال والمستثمرين والمشاهير الذين يحضرون اجتماع صندوق الاستثمارات العامة في ميامي يجب ألا يتجاهلوا الانتهاكات المرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة عند تقييم الاستثمارات، ويجب أن يتحدثوا علناً عن انتهاكات الحكومة السعودية.
وقد أوضحت تحقيقات DAWN بالتفصيل كيف استخدم ولي العهد صندوق الاستثمارات العامة لتسهيل الانتهاكات ضد المواطنين السعوديين، ومصادرة أصول ما لا يقل عن 20 شركة سعودية بشكل غير قانوني وتعسفي، وتعذيب وسجن العديد من أصحاب الأعمال، وتزويد الطائرات المستخدمة لنقل قتلة جمال خاشقجي إلى إسطنبول، حيث قتلوه في القنصلية السعودية في عام 2018. كما كشفت DAWN عن دور صندوق الاستثمارات العامة في توجيه مليارات الدولارات في "الاستثمارات" إلى منتجعات الغولف التابعة للرئيس ترامب، وكذلك إلى كبار المسؤولين الأمريكيين السابقين.
كما توصّلت هيومن رايتس ووتش إلى أن "السعودية" تستخدم استثمارات صندوق الاستثمارات العامة في الولايات المتحدة كأداة للقوة الناعمة والنفوذ السعودي. حيث تساهم هذه الاستثمارات في بناء دعم غير نقدي لأجندة ابن سلمان، وتطمس سجل حقوق الإنسان في البلاد، وتقوض المؤسسات التي تسعى إلى الشفافية والمساءلة بشأن أنشطة صندوق الاستثمارات العامة. مؤكدة على أن استثمارات صندوق الاستثمارات العامة تشكّل، مثل جولة LIV للغولف، حجر الزاوية في محاولات "السعودية" لبناء مكانتها ونفوذها في الخارج.
وقد طلبت هيومن رايتس ووتش السماح لها بحضور القمة، لكن المنظمين قالوا إنهم "ليسوا في وضع يسمح لهم بالتعامل مع الطلب في الوقت الحالي" . ولا يزال طلب منظمة الديمقراطية الآنية لجنوب أفريقيا لحضور القمة "معلقاً" حتى وقت كتابة هذه السطور.
وباعتبارها كيانًا حكوميًا، أكدت المنظمات على "وجوب أن يحافظ صندوق الاستثمارات العامة على التزامات المملكة العربية السعودية الدولية في مجال حقوق الإنسان. وتتحمل الشركات مسؤولية تجنب التسبب في ضرر لحقوق الإنسان أو المساهمة فيه. وتماشياً مع هذه المسؤوليات، يجب على الشركات إجراء العناية الواجبة الشاملة والمستقلة بحقوق الإنسان قبل أي تعامل مع صندوق الاستثمارات العامة ويجب عليها الامتناع عن الأنشطة التي من شأنها تعزيز سمعة الكيانات الحكومية أو المسؤولين المتهمين مؤخرًا بارتكاب انتهاكات خطيرة. وعندما تكون الآثار السلبية الخطيرة على حقوق الإنسان الناجمة عن التعامل مع صندوق الاستثمارات العامة لا مفر منها، فيجب على الشركات تعليق تعاملها.