يتعمق هذا التحقيق الاستقصائي في تطور منظومة الرقابة الرقمية بالمملكة تحت شعار "مكافحة التطرف".
النظام الذي يُسوَّق إعلاميًا على أنه للحماية المجتمعية، تحول جسدًا وقانونًا إلى أداة مراقبة وترويع حتى على أبسط مظاهر التعبير السلمي.
هذا التقرير الاستقصائي مبني على الحلقة المنشورة في منصة يقظة على يوتيوب ضمن برنامج #مكتب_حكومي الذي يقدمه حامد الغامدي، والذي تناول مركز “اعتدال” واللجان الإلكترونية بقيادة #سعود_القحطاني و#بدر_العساكر، إضافة إلى نظام مكافحة الإرهاب ونظام الجرائم المعلوماتية وكيف سُجن كثيرون بسبب تغريدات.
واعتمادًا على مضمون الحلقة، نُثبت هنا القصة المفصلّة للفتاة “منال” التي اعتُقلت وهي بعمر 17 عامًا، بسبب تغريدة!!.
كما نوسّع نطاق التقرير بالرجوع إلى مصادر حقوقية وإعلامية دولية موثوقة لتوثيق حالات مشابهة.
1. المقدمة
في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء الرقمي السعودي تحولًا جذريًا.
ما بدأ كجهد لمواجهة الجماعات المتطرفة المسلحة، توسع ليشمل كل ما يُصنف على أنه نقد أو رأي غير متوافق مع السردية الرسمية للنظام السعودي.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة لتأسيس هياكل تنظيمية وقانونية مصممة خصيصًا لفرض رقابة شاملة على الفضاء السيبراني، وتركيز هذه الأدوات بشكل مكثف ضد أي شكل من أشكال المعارضة السلمية عبر الإنترنت.
الرواية الرسمية تركز على "حماية الشباب من محاولات التغرير بهم"، ولكن الواقع الموثق يكشف عن عملية ممنهجة لتجريم الرأي.
يتم ذلك عبر تطبيق نصوص قانونية فضفاضة بصرامة فائقة، لتصبح التغريدة الواحدة، التي قد لا تتجاوز 280 حرفًا، جريمة تستحق عقوبة قد تفوق تلك المخصصة لجرائم أكثر خطورة في سياقات قانونية أخرى.
2. مركز اعتدال: بين الرواية الرسمية وواقع التحقيق
الرواية الرسمية:
تم إطلاق مركز "اعتدال" (المركز الوطني لمكافحة التطرف) في الرياض كجزء من مبادرات 2030، بهدف المعلن هو تتبع الفكر المتطرف، وتعزيز قيم "الاعتدال"، ومواجهة الأيديولوجيات المتطرفة عبر تحليل البيانات الضخمة (Big Data) وتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI).
يتم تصوير المركز كأداة معرفية تهدف إلى حماية البنية الفكرية للمجتمع.
واقع التحقيق:
وفقًا لما ورد في حلقة #مكتب_حكومي وتقارير المنظمات الحقوقية الموثقة، يرتبط مركز "اعتدال" بشكل وثيق بمنظومات رقابة وسرديات إلكترونية تديرها جهات أمنية عليا، وتحديداً تحت إشراف شخصيات مثل سعود القحطاني (المستشار السابق للملك) وبدر العساكر (الرئيس السابق للمركز الإعلامي الوطني).
التفاصيل التقنية للرصد:
تستخدم هذه المنظومة خوارزميات متقدمة لا تكتفي برصد الكلمات المفتاحية المرتبطة بالإرهاب التقليدي، بل تمتد لتشمل:
المفارقة:
إن استخدام مصطلح "الاعتدال" كغطاء رسمي يخفي وراءه منظومة مراقبة شاملة ذات قدرات تكنولوجية عالية.
هذا النظام لا يكتفي بمواجهة التطرف المعلن، بل يهدف إلى فرض "اعتدال إلزامي" يشمل الرأي السلمي والاعتراضي العادي، مما يؤدي إلى تكميم أي مساحة للحوار أو النقد البنّاء.
3. منظومة العقاب القانونية: سلاح النصوص المطاطة
تعتمد الدولة على ترسانة قانونية مصممة ببراعة لتكون غامضة ومرنة، مما يتيح تطبيقها على نطاق واسع ضد المعارضين السلميين.
نظام الجرائم المعلوماتية (وقانون الجرائم الإلكترونية):
يُعد هذا النظام هو العمود الفقري لمعاقبة التغريدات.
يجرّم النظام كل "سوء استخدام" عام للإنترنت.
عبارة "سوء استخدام" هي عبارة فضفاضة وغير محددة بشكل دقيق، مما يسمح للسلطات بتفسيرها لتشمل النقد، أو التعبير عن الرأي الذي يخالف الرأي العام السائد.
نظام مكافحة الإرهاب (تعديل 2017):
على الرغم من أن هذا النظام يفترض استهداف الإرهاب المسلح، إلا أن تعديلاته الأخيرة توسعت لتشمل مفاهيم شديدة المطاطية، مثل:
هذه الألفاظ تُستخدم بشكل روتيني ضد المغردين الذين يعبرون عن آراء سياسية أو اجتماعية، بدلًا من استهداف المتطرفين العنيفين.
لقد أصبحت التغريدة التي تتناول قضايا حقوقية أو انتقادات سياسية تُصنف تلقائيًا ضمن "أنشطة الإرهاب الفكري".
المحكمة الجزائية المتخصصة:
هذه المحكمة تأسست رسميًا للتعامل مع قضايا الإرهاب.
المفارقة تكمن في أنها أصبحت المحكمة الرئيسية التي تنظر في معظم القضايا المتعلقة بـ "الجرائم المعلوماتية" التي تتجاوز البلاغات البسيطة.
إن إحالة تغريدة إلى هذه المحكمة يرفع من خطورة التهمة بشكل فوري، مما يبرر إصدار أحكام قاسية وغير متناسبة، مثل أحكام الإعدام أو السجن لعقود طويلة، حتى لو كانت التهمة الأساسية هي "إبداء رأي".
ملاحظة رقمية (حسب رصد الحلقة):
تشير التقديرات المستندة إلى بيانات غير رسمية – كما ذكرت الحلقة – إلى ارتفاع بنسبة 40% في القضايا الرقمية المحالة للمحاكم المتخصصة بين عامي 2024 و 2025، مما يؤكد التوجه نحو تكثيف الرقابة القضائية على الفضاء الرقمي.
4. قصة منال: الردع عبر استهداف القاصرين
قصة "منال صالح القفيري" هي مثال صارخ على مدى وحشية تطبيق هذه القوانين على الفئة الأشد ضعفًا.
تفاصيل القضية:
اعتُقلت منال وهي قاصر (بعمر 17 سنة) بعد نشرها تغريدة ناقدة (لم تكن عنيفة أو داعية لكراهية، بل كانت تعبر عن قلق اجتماعي عام).
تم إخفاؤها قسريًا لمدة عام كامل في "سراديب" السجون، بعيدًا عن أي اتصال أو معرفة بوضعها القانوني.
المحاكمة والعقوبة:
لم يتم محاكمتها إلا بعد بلوغها سن الثامنة عشرة.
تم النطق بالحكم:
هذه القصة تُلخص المنظومة بأكملها: العقوبة ليست فقط للسجن، بل هي عقوبة تمتد مدى الحياة، وهي مصممة لردع أي شخص، بغض النظر عن عمره أو طبيعة نشاطه السلمي، عن التفكير في التعبير الحر.
لقد حولت الدولة حرية التعبير إلى جريمة تستحق عقوبة مضاعفة.
5. وقائع دولية مثبّتة: قوائم المحكومين على التغريدات
الأدلة على استخدام هذه القوانين لمعاقبة النشطاء السلميين موثقة دوليًا من قبل كبرى منظمات حقوق الإنسان:
هذه القائمة ليست شاملة، بل هي عينة من مئات الحالات التي توثق استخدام الأنظمة القانونية والأمنية لتصفية الأصوات الناقدة أو المخالفة.
سلمى الشهاب:
التهمة تغريدات عن حقوق المرأة والدفاع عن معتقلين، 34 سنة سجن، أُفرج عنها مطلع 2025 بضغط دولي.
نورة القحطاني:
التهمة تغريدات ناقدة لسياسات عامة، 45 سنة سجن (خُفضت لاحقًا)، لا يزال مصيرها غير واضح بالكامل.
محمد بن ناصر الغامدي:
التهمة تغريدات سلمية عن إصلاحات اجتماعية، حكم بالإعدام (2023)، لا يزال يقضي حكمه (أو مصيره مجهول).
مناهل العتيبي:
التهمة منشورات إلكترونية تدعم حقوق النساء، 11 سنة سجن، (2024)تقارير عن اختفاء قسري وتعذيب.
عبدالرحمن السدحان:
التهمة إدارة حساب ساخر على تويتر، 20 سنة سجن، محتجز منذ سنوات (مصيره مجهول).
روابط مرجعية موثقة (لأحداث سابقة):
6. كيف تعمل الرقابة الرقمية واللجان الإلكترونية؟
آلية المراقبة تتجاوز مجرد رصد النشر إلى عمليات ترهيب ممنهجة تضمن تحكمًا شبه كامل بالسرد الرقمي.
لجان منظمة وحملات البلاغات الجماعية:
التقارير الاستقصائية تشير إلى وجود "جيوش إلكترونية" أو لجان منظمة (غالبًا ما تكون مرتبطة بالمركز الإعلامي الوطني أو دوائر أمنية عليا) تعمل بتنسيق عالٍ:
تقنيات الرصد الذكية والذكاء الاصطناعي:
مركز "اعتدال" يمثل الواجهة التقنية لهذه المنظومة.
يعتمد الرصد على نماذج تعلم آلي (Machine Learning) متطورة لتصنيف الخطاب:
قضاء مُسيَّس وغموض إجرائي:
المحكمة الجزائية المتخصصة تساهم في ترسيخ حالة الخوف عبر:
7. الأثر الاجتماعي والسياسي: انتشار الصمت
إن الآثار المترتبة على هذا القمع الرقمي تتجاوز السجن الفردي لتؤثر على النسيج الاجتماعي ككل.
الخوف من التعبير (Chilling Effect):
العقوبة الفورية والقاسية وغير المتناسبة التي طالت "منال" و"الغامدي" و"سلمى الشهب" أطاحت بأي ثقة متبقية لدى المواطن العادي بالنظام القانوني كضامن لحرية التعبير.
مفارقة “الاعتدال” مقابل الشلل:
يتم تبرير هذا القمع الشديد تحت شعار "الإصلاح" و"مواجهة التطرف الفكري".
ومع ذلك، فإن الواقع هو شلل تام للمشاركة العامة الفعالة.
الإصلاح الحقيقي يتطلب حوارًا ونقدًا، لكن المنظومة الحالية تهدف إلى إزالة أي صوت خارج السرب.
هذا يخلق مجتمعًا مُنضبطًا ظاهريًا، ولكنه مجتمع يفتقد لأي ديناميكية للتطور أو التغيير الحقيقي.
8. رأي الكاتب وتعليق ختامي
من "سلمى الشهب" التي حُكمت لتعاطفها مع حقوق المرأة، إلى "منال" التي اعتقلت وهي قاصر، ومن "نورة" إلى "الغامدي" الذي واجه الإعدام، النمط واحد:
(حُكم بالتجريم والسجن أو حتى الإعدام لمجرد كلمة أو تغريدة).
تحت قيادة محمد بن سلمان، أصبح القمع الرقمي عملًا ممنهجًا، مدعومًا بأحدث التقنيات وأكثر النصوص القانونية غموضًا.
الدولة التي تعتبر الكلمة المكتوبة أو المنشورة تهديدًا وجوديًا إنما تصارع ظلها بذعر، مما يكشف عن هشاشة السردية الرسمية أمام أي تدقيق بسيط.
الاعتدال هنا ليس سوى قناع تقني (Technological Veil) لنظام يخشى الحوار بشكل جذري، ويعاقب حتى السخرية أو النقد البسيط، لضمان منع أي انتقال حقيقي نحو مشاركة أوسع أو إصلاح حقيقي.
المراجع الرئيسية (موثقة أكتوبر 2025):
للحصول على النسخة الإنكليزية لهذا التحقيق من خلال الرابط التالي:
https://drive.google.com/file/d/1xyHZ1EzOxuiIYl2o4yr-zjAr5SjDIz-l/view?usp=sharing
الكاتب: حركة الحرية والتغيير