بقلم: وائل قنديل...
نحتاج إلى قدرة خارقة على إلغاء العقل لكي نقبل برواية أنّ إيران "تتفهّم" ولا تعارض نشر مقاتلات مصرية في الإمارات، كما نحتاج إلى القدرة نفسها لتصديق أنّ وجود طائرات مقاتلة مصرية في الإمارات ليس إجراءً ضدّ إيران، كما نحتاج قدرة أكبر على إسكات المنطق لكي نقتنع بأن مجاورة الطيران المصري للقبّة الحديدية الإسرائيلية على الأراضي الإماراتية من أعمال الانتصار للعروبة وحماية الأمن القومي العربي.
المسؤول الإيراني الذي تحدّث إلى موقع الجزيرة نت رافضاً الإفصاح عن اسمه لم يكتفِ بالتفهّم، بل قال إنّ هناك اتصالات على مستوى رفيع متواصلة بين القاهرة وطهران بهدف تبادل الرؤى ووجهات النظر، في ظلّ سعي مصر إلى إيجاد حلول سياسية ودعم المسار التفاوضي.
ومثل هذه التصريحات تضعنا أمام احتمالين: إمّا أنّ هذا المسؤول الإيراني، الذي أكّد معرفة بلاده بالخطوة المصرية قبل الإعلان عنها، لديه معلومات أنّ هذا الإجراء لا يعدو عمليةً استعراضيةً لن تتحوّل إلى عمل مادّي أبداً، وهو الاحتمال الذي يتطلّب صموده وجود رسائل طمأنة بين القاهرة وطهران.
والاحتمال الآخر أنّه لم يقرأ البيان الرسمي المصري الذي أكّد "تضامن مصر مع الإمارات في ظلّ الظرف الإقليمي الراهن، ومساندة القاهرة لأمن واستقرار الإمارات ورفضها التام للاعتداءات الإيرانية على سيادتها"، مع التشديد على أنّ "ما يمسّها يمسّ مصر".
فكرة أنّ الوجود الحربي المصري في الإمارات ليس عملاً موجّهاً ضدّ إيران تسقطها المقاتلات المصرية، ذلك أنّ طبيعة عمل الطائرات المقاتلة هي العمليات الهجومية، لا الدفاعية.
ومن ثمّ، القول إنها موجودة للتصدّي لأيّ قصف إيراني على الأراضي الإماراتية بعيد عن المنطق، وخصوصاً في ظلّ وجود وفرة من الأنظمة الدفاعية هناك، إذ سبق أن نشرت إسرائيل بطّاريات "القبّة الحديدية" مع طواقم تشغيل إسرائيلية في الإمارات للمرّة الأولى خارج حدود الكيان الصهيوني للقيام بالمهام الدفاعية، بحسب المنشور في مواقع وصحف أميركية، مثل أكسيوس ونيويورك تايمز، في إبريل/ نيسان 2026، فضلاً عن أنّ لدى الإمارات منظومة دفاعية من بطاريات باتريوت الأميركية.
أمّا ادّعاء أنّ الوجود العسكري المصري في الإمارات يستهدف عدم انفراد الكيان الصهيوني بنشر منظوماته الحربية فيها، فهو قول يحتقر العقل ويخاصم الواقع الفعلي للعلاقات بين الأطراف الثلاثة: مصر، والإمارات، والكيان الصهيوني. فثلاثتهم كانوا منذ مارس/ آذار 2022 في صدارة مشروع الاصطفاف ضدّ إيران من خلال ذلك التجمّع الشائن الذي ضمّ عرباً وصهاينة فيما سمّيت "قمّة النقب"، وهي اللحظة التي عبّر عنها وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، في ذلك الوقت بالقول: "إنّها لحظة تاريخية، وللأسف أضعنا هذه الأعوام الثلاثة والأربعين" منذ أبرمت مصر وإسرائيل معاهدة السلام، "وخسرنا على مدار هذه الأعوام معرفة بعضنا بعضاً بشكل أفضل، والعمل معاً، وتغيير السردية التي نشأت عليها أجيال من الإسرائيليين والعرب".
كما لا يغيب عن الذاكرة تصريح الجنرال عبد الفتّاح السيسي في مقابلة شهيرة مع محطّة CBS الأميركية بداية عام 2019، وفيه تأكيده على "تعاون عسكري وثيق غير مسبوق مع إسرائيل في سيناء".
هذه المعطيات كلّها تجعل من الزعم بأنّ التجاور والتناغم بين نظام دفاعي صهيوني ومنظومة مقاتلات هجومية مصرية على أرض عربية انتصارٌ للعروبة بمثابة نكتة سمجة من أولئك الذين يمارسون التنظير والتبرير لمسألة براغماتية في شكلها ومضمونها. سمّها مصلحة، أو صفقة، لكن لن يصدّقك أحدٌ إن قلت إنّها استجابة لنداء العروبة، ذلك أنّ هذه العروبة المفترى عليها كانت ولا تزال تصرخ في فلسطين ولبنان من دون أن يرفع أحد من العرب إصبعاً في وجه مرتكبي المذابح بحقّها.
العروبة التي نعرفها ونفهمها هي تلك التي تقاس على مسطرة فلسطين، هي تلك القيمة وذلك التجلّي الأخلاقي والإنساني للفكرة القومية بمواجهة الفكرة الصهيونية المؤسّسة على الرغبة في اقتلاعنا من الجغرافيا وحذفنا من التاريخ.