عاجل:
حكام الخليج يفقدوا ثقتهم بتل أبيب ويعيدوا رسم مظلة حمايتهم
الاخبار 2026-05-06 09:18 554 0

حكام الخليج يفقدوا ثقتهم بتل أبيب ويعيدوا رسم مظلة حمايتهم

كشفت الحرب الأخيرة على إيران عن تحول لافت في حسابات الأمن الخليجي، بعدما وجدت دول المنطقة نفسها في مواجهة مباشرة مع تداعيات صراع لم تكن طرفا فيه، وسط اهتزاز الثقة بفعالية المظلة الأمريكية، وتصاعد القناعة بأن الرهان على الهيمنة الإسرائيلية لا يوفر الاستقرار بقدر ما يفتح أبوابًا جديدة للمخاطر.

ونشرت فورين أفيرز مقالًا للزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية، هـ. أ. هيليير، تناول فيه التحولات العميقة التي فرضتها الحرب الأخيرة على إيران في حسابات الأمن الخليجي، مؤكدًا أن دول الخليج وجدت نفسها أمام اختبار قاسٍ كشف حدود الضمانات الأمريكية، وعرّى في الوقت نفسه مخاطر الرهان على الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

 

وأكدت المجلة أن المشهد بدا مختلفًا تمامًا عندما شنت إيران أول هجوم مباشر على الأراضي الإسرائيلية في ربيع عام 2024، بإطلاق أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخ، إذ سارعت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والأردنية إلى اعتراضها، ما بعث برسالة واضحة إلى عواصم الخليج مفادها أن أي استهداف لإسرائيل سيقابل برد أمريكي جماعي وسريع. غير أن السؤال الذي ظل حاضرًا في الخلفية، وفق المقال، تمثل في مصير دول الخليج إذا ما أصبحت هي نفسها هدفًا مباشرًا للرد الإيراني.

 

وأشارت إلى أن الإجابة جاءت مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير، وهي الحرب التي عارضتها الحكومات الخليجية بشدة، إذ سارعت طهران إلى الرد عبر استهداف مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومحطات تحلية مياه في عدد من دول الخليج العربي. وبينما ساعدت القوات الأمريكية في اعتراض بعض تلك الضربات، فإن صورة الخليج بوصفه منطقة آمنة للأعمال والاستثمارات العالمية تعرضت لهزة كبيرة، وهو ما اعتبرته المجلة جزءًا من الهدف الإيراني الرامي إلى ضرب الثقة الاقتصادية بالمنطقة.

 

وتابعت أن إيران لم تكتفِ بالهجمات المباشرة، بل عمدت فعليًا إلى شل حركة مضيق هرمز، الأمر الذي عرقل صادرات البحرين والكويت وقطر، وأربك كذلك حركة التصدير من عُمان والسعودية والإمارات، بما وضع اقتصادات الخليج أمام ضغط غير مسبوق.

 

وأكدت فورين أفيرز أن دول الخليج اعتمدت طوال نحو عقد على ثلاث ركائز رئيسية لضمان أمنها: الظهور بمظهر الحياد في المواجهات مع إيران، وتعزيز العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة، والإبقاء على قنوات تواصل مفتوحة مع طهران لتجنب الانفجار العسكري. إلا أن الحرب الأخيرة، بحسب المقال، دفعت هذه الحكومات إلى إعادة النظر في تلك الركائز الثلاث، بل وربما التخلي عن بعضها بشكل كامل.

 

وأشارت المجلة إلى أن عواصم الخليج باتت ترفض أيضًا الافتراض الأمريكي الإسرائيلي القائل بإمكانية دمجها داخل بنية أمنية إقليمية تتصدرها إسرائيل، وتقوم على احتفاظها بتفوق عسكري ساحق وحرية حركة عبر الحدود وقدرة على فرض قواعد الاشتباك على الجميع. فالحرب الدائرة، من وجهة نظر المقال، أوضحت أن الطموح الإسرائيلي لفرض الهيمنة الإقليمية لا يوفر الحماية للخليج، بل يجعله أكثر عرضة للخطر، لأن إسرائيل مستعدة لشن حروب استباقية تخدم مصالحها الخاصة دون اكتراث كافٍ بحسابات جيرانها.

 

وأكدت أن اتفاقيات التطبيع شكلت إحدى الأدوات التي حاولت واشنطن من خلالها إدخال بعض دول الخليج في هذا التصور الأمني الجديد، رغم أن الموقف الخليجي التقليدي كان قائمًا لعقود على ربط الاعتراف بإسرائيل بانسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الالتزام الذي كرسّته مبادرة السلام العربية عام 2002.

 

وأشارت إلى أن بعض العواصم الخليجية، وفي مقدمتها الإمارات، انخرطت خلال السنوات الأخيرة في مسار التطبيع أملاً في الحصول على مكاسب عسكرية وتكنولوجية وتجارية، إلى جانب الاندماج بصورة أعمق في شبكة الأمن الإقليمي الأمريكية. وفي هذا السياق، لفتت المجلة إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى وافقت على بيع الإمارات مقاتلات من طراز F-35 Lightning II لتعزيز الاتفاق، رغم أن الصفقة تعثرت لاحقًا في عهد إدارة جو بايدن، بينما استمرت تفاهمات التطبيع قائمة. كما كانت واشنطن تجري مفاوضات موازية مع السعودية حول اتفاق دفاعي مشروط بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

 

وتابعت أن العواصم الخليجية التي أبدت انفتاحًا على التطبيع لم تصل يومًا إلى حد تبني فكرة دعم الهيمنة الإسرائيلية، خصوصًا مع التدهور الحاد الذي أصاب صورة إسرائيل في المنطقة بعد ردها على هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ثم بعد اتساع نطاق عملياتها العسكرية.

 

وأكدت فورين أفيرز أن الحرب على إيران جاءت لتمنح قادة الخليج دليلًا إضافيًا، وربما الأوضح حتى الآن، على أن مصالحهم لا تتطابق مع المصالح الإسرائيلية، إذ يعتقد كثيرون منهم أن إسرائيل نجحت في دفع إدارة ترامب إلى خوض هذه المواجهة، بينما تُركت دول الخليج في نهاية المطاف لتتحمل كلفة حرب لم تكن ترغب فيها أصلًا.

 

وأشارت إلى أن هذا الواقع بدا أكثر قسوة لأن كل محاولات التقارب أو التهدئة السابقة مع طهران لم تنجح في تحصين الخليج من الضربات الإيرانية، إذ لم تمضِ سوى ساعات على أولى الهجمات الأمريكية الإسرائيلية حتى كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تستهدف مختلف دول الخليج.

 

وتابعت المجلة أن استمرار الصراع وتحوله إلى حرب استنزاف أظهر انقسامًا واضحًا داخل المواقف الخليجية إلى ثلاثة مسارات رئيسية، فسلطنة عُمان تمسكت بنهج ضبط النفس، فرغم تعرض ميناء الدقم لضربات إيرانية، سارعت مسقط إلى تهنئة المرشد الأعلى الإيراني الجديد الذي تولى السلطة بعد مقتل سلفه في الغارات الأمريكية الإسرائيلية، كما أصدرت بيانًا يدين هجمات جميع الأطراف.

 

أما الإمارات، التي تلقت العدد الأكبر من الضربات الإيرانية، فقد خلصت وفق المقال إلى أن سياسة إعادة بناء الجسور مع طهران لم تعد مجدية، ففرضت قيودًا واسعة على حاملي الجوازات الإيرانية، وأبدت استعدادًا للانضمام إلى الجهود العسكرية الأمريكية لتأمين مضيق هرمز، مع تأكيدها تعميق العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وسارت البحرين، التي طبعت علاقاتها كذلك مع إسرائيل، في الاتجاه ذاته بدرجة كبيرة، فيما اتخذت الكويت وقطر والسعودية مواقف وسطية بين تشدد أبوظبي وهدوء مسقط.

 

وأكدت المجلة أن الضربات الإيرانية قد تدفع هذه الدول، رغم اختلافاتها، إلى التفكير جديًا في بناء منظومة أمنية خليجية أكثر استقلالًا. فمنذ عقود اعتمدت دول الخليج على معادلة تبادل المصالح مع واشنطن: الطاقة ورأس المال والقواعد العسكرية مقابل مظلة حماية أمريكية ضمنية. وقد تُرجم ذلك في سلسلة تفاهمات قانونية وعسكرية، بينها تصنيف البحرين والكويت والسعودية كحلفاء رئيسيين من خارج حلف شمال الأطلسي، والسماح الأمريكي باستخدام منشآت عسكرية في عُمان، واستضافة البحرين للأسطول الخامس الأمريكي، إضافة إلى أمر تنفيذي وقعه ترامب بعد قصف إسرائيل لقطر عام 2025 يلزم واشنطن بالدفاع عن الدوحة.

 

وأشارت إلى أن هذه الترتيبات، رغم أنها لا تفرض التزامًا قانونيًا صريحًا على الولايات المتحدة باستخدام القوة، خلقت لدى الخليج توقعًا منطقيًا بأن واشنطن ستوفر الحماية عند التعرض لأي عدوان خارجي، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه المظلة ليست كافية ولا مضمونة بالصورة التي اعتقدتها العواصم الخليجية.

 

وتابعت أن المخاوف الخليجية من تراجع الالتزام الأمريكي ليست جديدة، إذ تعود إلى إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2011 توجهه نحو "التركيز على آسيا"، غير أن المشكلة، بحسب المجلة، أن أي قوة دولية أخرى لا تستطيع حتى الآن أن تحل محل واشنطن في توفير البنية الدفاعية الكاملة التي تعتمد عليها المنطقة، سواء من حيث التسليح أو الطيران أو السفن أو الصيانة أو التدريب أو التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

 

وأكدت فورين أفيرز أنه بعد هدوء المعارك ستجد حكومات الخليج نفسها أمام خيارات ضيقة؛ فهي لن تستجيب بسهولة للمطالب الإيرانية بطرد القواعد الأمريكية أو وقف التعاون الأمني مع واشنطن، لأن سلوك طهران ذاته يبرهن على استمرار حاجتها إلى الحماية. كما أن العداء الشعبي والرسمي لإيران في الخليج، المتراكم بفعل أدوارها في العراق ولبنان واليمن ثم ضرباتها المباشرة الأخيرة، سيدفع على الأرجح إلى تبني سياسة أكثر صرامة في احتوائها.

 

وأشارت في المقابل إلى أن هذا التشدد تجاه إيران لا يعني استعدادًا خليجيًا للانخراط في المخططات الإسرائيلية. فتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط، وطرحه مشاريع لمد خطوط أنابيب عبر الجزيرة العربية إلى الموانئ الإسرائيلية لتجاوز مضيق هرمز، لا تبدو مقنعة بالنسبة إلى معظم قادة الخليج الذين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بوصفها تهديدًا لا يقل خطورة عن إيران.

 

وتابعت المجلة أن هذا التصور يستند إلى جملة من الوقائع، بينها اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في دول الجوار منذ عام 2023، واستمرار احتلال مزيد من الأراضي في لبنان وسوريا، فضلًا عن تصاعد الإدانات الدولية المرتبطة بالحرب على غزة، ما جعل إسرائيل، في نظر كثير من صناع القرار الخليجي، شريكًا يصعب بناء نظام أمني مستقر على أساسه.

 

وأكدت أن بعض المسؤولين الخليجيين باتوا يعلنون ذلك بوضوح، مستشهدة بتصريح لوزير خارجية عُمان قال فيه إن إسرائيل، لا إيران، تمثل المصدر الرئيسي لانعدام الأمن في المنطقة، وهو ما يعكس حجم الهوة بين الرؤية الإسرائيلية للشرق الأوسط وتصورات العواصم العربية.

 

وأشارت فورين أفيرز إلى أن دول الخليج، وإن كانت ستزيد تعاونها مع الولايات المتحدة بفعل الحاجة الدفاعية، فإنها لم تعد تراها الضامن الوحيد لأمنها طويل الأمد، خصوصًا مع اقتران واشنطن الوثيق بإسرائيل، وإخفاقها في ردع إيران بصورة حاسمة، وتجاهلها المتكرر للمصالح الخليجية.

 

وتابعت أن هذه القناعة دفعت الحكومات الخليجية إلى تنويع شراكاتها العسكرية والتكنولوجية؛ فقد أقامت الإمارات في عام 2024 مشاريع مشتركة مع شركات تركية متخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، كما وقعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع مشترك، وبدأت المنطقة تنظر إلى بدائل للتسليح الأمريكي تشمل الطائرات المقاتلة التركية، وأنظمة الدفاع الصاروخي الكورية الجنوبية، والمسيّرات الأوكرانية، والصواريخ اليابانية الاعتراضية، إلى جانب أنظمة بريطانية منخفضة التكلفة لمكافحة الطائرات المسيّرة.

 

وأكدت أن الاتحاد الأوروبي والصين يدخلان أيضًا ضمن حسابات التنويع المقبلة، سواء عبر التكنولوجيا أو التجارة أو التعاون الصناعي، لكن من دون الوصول إلى مستوى ضمانات دفاعية صريحة قد تُغضب واشنطن.

 

وفي ختام المقال، أشارت المجلة إلى أن الاستقلال الحقيقي لن يتحقق عبر استبدال ضامن خارجي بآخر، بل من خلال بناء بنية دفاعية خليجية مشتركة أكثر تماسكا، تقوم على تبادل بيانات الرادار للإنذار المبكر، وتنسيق الدفاعات الجوية، وإنشاء مخزونات موحدة لتكنولوجيا مكافحة المسيّرات، فضلًا عن تطوير الصناعات الدفاعية المحلية في السعودية والإمارات وغيرها.

 

وأكدت فورين أفيرز أن العام الماضي كشف هشاشة الفرضية الأمريكية القديمة التي قامت على اعتبار أن الأمن الإسرائيلي والخليجي مساران متكاملان، وأن التطبيع كفيل بإنتاج الاستقرار، موضحة أن الفجوة بين مشروع نتنياهو لشرق أوسط تعاد صياغته بالقوة، وبين تطلعات الدول العربية إلى أمن يحترم سيادتها ومصالحها، باتت أوسع من أن يتم ردمها بسهولة.

 

آخر الاخبار