عاجل:
تحالف حماية الملاحة: السعودية تكرّر نفسها في اليمن
الاخبار 2026-08-03 08:46 535 0

تحالف حماية الملاحة: السعودية تكرّر نفسها في اليمن

يفتح إعلان السلطات السعودية تشكيل تحالف بحري جديد في البحر الأحمر باب التساؤلات حول فرص نجاحه، في ظل إخفاق تحالفات دولية سابقة في تغيير موازين المواجهة، واستمرار التحديات الأمنية والبحرية في المنطقة.

بقلم: لقمان عبد الله...

يفتح إعلان السلطات السعودية تشكيل تحالف بحري جديد في البحر الأحمر باب التساؤلات حول فرص نجاحه، في ظل إخفاق تحالفات دولية سابقة في تغيير موازين المواجهة، واستمرار التحديات الأمنية والبحرية في المنطقة.

 

يثير إعلان السعودية تشكيل تحالف بحري جديد لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، جملة من التساؤلات حول فرص نجاحه، خصوصاً أن هذه المبادرة تأتي بعد سلسلة طويلة من التحالفات والعمليات العسكرية التي قادتها قوى كبرى في اليمن، وانتهت جميعها إلى الإخفاق في تحقيق أهدافها المُعلنة. فمع تصاعد العمليات اليمنية في البحر الأحمر، إسناداً لقطاع غزة، بادرت الولايات المتحدة إلى تكوين تحالف «حارس الازدهار» الذي شاركت فيه نحو 20 دولة، في حين أنشأ الاتحاد الأوروبي بعثة «أسبيدس» العسكرية لحماية الملاحة. كما انتشرت في بحر العرب وخليج عدن تشكيلات بحرية أميركية مُتخصِّصة، من بينها «فرقة المهام 51» التابعة للأسطول الخامس الأميركي، والمعنيّة بمكافحة التهريب وحماية مضيقَي هرمز وباب المندب وقناة السويس.

 

ولم يقتصر الأمر على التحالفات البحرية، بل قادت الولايات المتحدة وبريطانيا حملتَين عسكريتَين مباشرتَين ضدّ اليمن - الأولى في عهد الرئيس السابق، جو بايدن، والثانية في عهد الرئيس الحالي، دونالد ترامب -، كان الهدف المُعلن منهما إعادة فتح باب المندب أمام السفن الإسرائيلية أو تلك المرتبطة بإسرائيل. ورغم ما تمتلكه القوتان الأميركية والبريطانية من حاملات طائرات، ومدمّرات، وغواصات، وأنظمة دفاع جوي واستخبارات متطوّرة، فإنها لم تستطع فرض واقع ميداني جديد في البحر الأحمر، كما لم تنجح في كسر الحصار الذي فرضته صنعاء على الملاحة الإسرائيلية، لتنتهي هذه المواجهة إلى تفاهم بين واشنطن وصنعاء، في حين بقيت تل أبيب تواجه تبعات الحصار البحري.

 

اليوم، تعيد السعودية تبنّي الخيار نفسه، ولكن في ظروف تختلف جذرياً عن تلك التي رافقت إطلاق «عاصفة الحزم» عام 2015. ففي ذلك الوقت، قادت المملكة تحالفاً عسكرياً ضمّ 17 دولة، مستفيدةً من هامش سياسي وعسكري أوسع بكثير ممّا تمتلكه اليوم. وعلى الرغم من امتلاكها ذلك الهامش، فإن الحرب التي شنّتها على اليمن في العام المذكور، وأصرّت على إطالتها لسنوات، انتهت من دون تحقيق أهدافها المُعلَنة، فيما لم يبقَ من «التحالف العربي» سوى «المجلس الرئاسي» برئاسة رشاد العليمي، وظلّت صنعاء الطرف المسيطر على العاصمة صنعاء والمحافظات التي تضمّ معظم الكتلة السكانية في اليمن.

 

أمّا التحالف الذي أعلنته السعودية اليوم، فيبدو ميتاً قبل ولادته؛ فالدول الـ14 التي أعلنت تأييده لا تشكّل قوة بحرية متجانسة، في حين أن دول الخليج نفسها تواجه بدورها حصاراً نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

 

أمّا البلدان ذات الثقل العسكري، كتركيا ومصر وباكستان، فمن المشكوك فيه أن تنخرط في مواجهة بحرية مباشرة، بعدما أظهرته التجربة الأميركية والأوروبية من ارتفاع في الكلفة وصعوبة في تحقيق الأهداف في هكذا مواجهات. وبالنسبة إلى بقية الدول المشاركة، فإن معظمها لا يمتلك أصلاً قوات بحرية قادرة على إحداث تحوّل عملياتي في البحر الأحمر. وعليه، من المُرجّح أن تعتمد السعودية، مثلما فعلت في تحالفات سابقة، على إدارة العلاقات بصورة ثنائية مع كلّ دولة، والاستفادة من إدراج اسمها ضمن إطار التحالف الوليد، إذ تعتقد المملكة أن من شأن ذلك أن يمنح مبادرتها غطاء سياسياً أوسع، حتى وإن بقيت المساهمات الفعلية فيها محدودة أو رمزية.

 

ويأتي هذا في وقت باتت فيه موانئ المملكة على البحر الأحمر رهينة حصار موازٍ أعلنته صنعاء، وهو ما أفقد ورقة تجاوز مضيق هرمز جزءاً كبيراً من قيمتها الاستراتيجية. وكانت السعودية، تباهت، خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بامتلاكها بديلاً من «هرمز» متمثّلاً في خط أنابيب «شرق - غرب» الممتدّ إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي مكّنها من تصدير نحو خمسة ملايين برميل من النفط يومياً. غير أن ذلك الإنجاز اللوجستي لم يكن كافياً لتأمين المصالح السعودية؛ إذ سرعان ما استغلّت صنعاء تبدّل الظروف الإقليمية لإطلاق معركة كسر الحصار على اليمن، محذّرةً من أن استمرار القيود على الموانئ اليمنية سيقود إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل نظيرتها السعودية.

 

وعلى الرغم من أنه كان في وسع السلطات السعودية، إثر ذلك، تغيير مقاربتها تجاه صنعاء، والبحث عن تسوية تعالج جذور الأزمة، إلا أنها اختارت المضيّ في طريق التصعيد، وصولاً إلى إعلانها أخيراً التحالف البحري الجديد. وتجيء هذه الخطوة في وقت لم تتمكّن فيه واشنطن نفسها من إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، واكتفت العواصم الأوروبية، من جهتها، بالحديث عن مبادرات وتحالفات لتأمين الملاحة أو إزالة الألغام البحرية، من دون الإقدام على خطوات عسكرية مباشرة، رغم الدعوات المتكرّرة التي أطلقها ترامب إلى حلفائه للمشاركة في مثل هذه العمليات.

 

ومن هنا، يبقى السؤال: إذا كانت الولايات المتحدة، وبريطانيا، وتحالف «حارس الازدهار»، وبعثة «أسبيدس» الأوروبية، بكلّ ما امتلكته من إمكانات بحرية وعسكرية، لم تتمكّن من فرض واقع جديد في البحر الأحمر، فما الذي يجعل التحالف السعودي الجديد قادراً على تحقيق ما عجزت عنه تلك القوى؟

 

آخر الاخبار